فتيحة الطالبي تدخل غمار الانتخابات التشريعية من بوابة حزب الاستقلال

فتيحة الطالبي تدخل غمار الانتخابات التشريعية من بوابة حزب الاستقلال

تبعا لمقال 3 فاعلين جمعويين يدخلون غمار الانتخابات التشريعية بعمالة مراكش.. الجزء الثاني

في الجزء الأول من هذا الملف، كنا قد تحدثنا عن التحولات التي يعرفها المشهد السياسي المراكشي، وعن صعود الفعل الجمعوي كخزان حقيقي لإنتاج النخب الجديدة، القادرة على الانتقال من منطق المبادرة المدنية إلى منطق التأثير التشريعي والمؤسساتي.

وقد أشرنا حينها إلى وجود معطيات حصرية تتعلق بدخول ثلاث فعاليات جمعوية غمار الاستحقاقات التشريعية المقبلة بعمالة مراكش، في سياق يعكس التحول العميق الذي تعرفه العلاقة بين المجتمع المدني والحقل السياسي بالمغرب.

واليوم، نعود إلى هذا الموضوع من زاوية أكثر دقة، تتعلق بأحد الأسماء التي راكمت حضورا مدنيا ومهنيا لافتا خلال السنوات الأخيرة، ويتعلق الأمر بالأستاذة فتيحة الطالبي التي تبدو تجربتها جديرة بالقراءة والتحليل، ليس فقط باعتبارها مرشحة ضمن اللائحة الجهوية المخصصة للنساء في الاستحقاقات المقبلة، ولكن باعتبارها نموذجا لمسار انتقل تدريجيا من العمل المدني إلى المجال السياسي بخطوات محسوبة ومتدرجة.

ففتيحة الطالبي، قبل أن تصبح محامية وفاعلة سياسية، كانت بالأساس ابنة للعمل الجمعوي، حيث ارتبط اسمها منذ أزيد من عقد من الزمن بجمعية بصيص أمل و بالضبط منذ سنة 2013، وهي التجربة التي شكلت بالنسبة إليها مدرسة ميدانية حقيقية للاحتكاك المباشر بقضايا المجتمع، والانصات اليومي لانتظارات المواطنين، خاصة داخل الهامش الاجتماعي الذي كثيرا ما تغفله الحسابات السياسية التقليدية.

ومن خلال هذه التجربة استطاعت أن تكتسب فهما عمليا لطبيعة التحولات الاجتماعية التي تعرفها مدينة مراكش، كما راكمت تجربة في تدبير قضايا القرب، وهو ما منح لمسارها بعدا ميدانيا يتجاوز الصورة النمطية للفاعل السياسي الذي يولد داخل التوازنات الحزبية المغلقة.

لقد جمعنا معها العمل المدني في مراحل مختلفة ويمكن أن تسألوا عن دموعها في دار البر والإحسان و إسألوا عنها أروقة المستشفى الجامعي محمد السادس … لقد كان واضحا منذ تلك الفترة أن لديها طموحا يتجاوز حدود المبادرات الجمعوية التقليدية نحو الرغبة في التأثير الأوسع داخل المجال العام، غير أن الانتقال من المجتمع المدني إلى السياسة ليس مسارا سهلا بقدر ما تحكمه تعقيدات كثيرة تحتاج إلى النضج، وإعادة بناء الرؤية، وفهم منطق التوازنات الحزبية والمؤسساتية.

وفي هذا السياق، تبدو محطة انتخابات 2021 لحظة مفصلية في مسار فتيحة الطالبي باعتبارها تجربة سياسية حملت الكثير من الدروس والأخطاء التي ساهمت فيما يبدو في إعادة تشكيل تصورها للعمل السياسي، فالممارسة السياسية الحقيقية لا تبنى فقط على الحماس أو الحضور الميداني وإنما تحتاج أيضا إلى قراءة دقيقة لموازين القوى، وفهم عميق لطبيعة التنظيمات الحزبية وآليات الاشتغال المؤسساتي.

ويبدو أن ما يميز مسارها اليوم هو أنها اختارت ما يمكن وصفه بالطريق الهادئ والصلب في البناء السياسي، بعيدا عن الصدامات المبكرة أو الرهانات المتسرعة، وهو ما يفسر التحول التدريجي الذي أصبح يلاحظه المتتبعون في خطابها، وعلاقاتها، وطريقة تموقعها داخل المشهد العام.

صحيح أن التجربة لا تزال في بدايتها وصحيح أيضا أن الطريق أمامها ما يزال يحتاج إلى الكثير من العمل ولكن المؤشرات الحالية توحي بأنها تحاول بناء مسار أكثر واقعية واتزانا، قائم على التعلم من الأخطاء بدل تكرارها.

وهنا تبرز أهمية هذا النموذج تحديدا، لأن الإشكال الحقيقي في السياسة المغربية اليوم لا يتعلق فقط بغياب الكفاءات، وإنما بفسح المجال لهم، فكثير من الوجوه تدخل العمل السياسي من أبواب النفوذ أو المال أو العلاقات، دون أن تمر من تجربة الاحتكاك الحقيقي بالمجتمع، بينما تمنح التجربة الجمعوية نوعا من الشرعية الواقعية المرتبطة بالمعايشة اليومية لقضايا الناس.

إن انتقال بعض الفاعلين الجمعويين إلى المجال التشريعي لا يجب أن يفهم باعتباره مجرد طموح انتخابي، وإنما باعتباره تعبيرا عن تحولات أعمق يعرفها المجتمع المغربي، حيث بدأت الحدود التقليدية بين الفعل المدني والسياسي تتراجع لصالح نماذج جديدة تقوم على التداخل الإيجابي بين التأطير المجتمعي والمشاركة المؤسساتية.

فتيحة الطالبي أحسن ميركاتو قام به نزار البركة، فهي واحدة منا، وسندعهما في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة، ومسارها السياسي الحالي تجاوز مسار إسماعيل شعوف وتجاوز مسار أنس أولميدي، إلا أننا نحن جميعا نحاول رسم طريق سياسي جديد بكل ما يحمله من رهانات وصعوبات واختبارات … وكما نقول دائما أن نجاح أي تجربة سياسية لا يقاس فقط بنتائج الانتخابات، وإنما أيضا بقدرة صاحبها على الحفاظ على المصداقية، والاستمرارية، والقدرة على تطوير الذات والتفاعل مع التحولات.

لذلك، فإن النقاش الحقيقي اليوم لا يتعلق فقط بمن سيدخل البرلمان، وإنما بأي نوع من النخب تحتاجه مراكش في المرحلة المقبلة: هل نخب انتخابية موسمية، أم نخب راكمت تجربة ميدانية ومدنية ومهنية، وقادرة على فهم التحولات الاجتماعية والسياسية التي تعرفها المدينة و الدولة؟
يتبع …

توضيح : في المقال الأول تم طرح إسم في التعليقات على المقال يبدو أنه لإحدى الفاعلات الجمعويات الجدد، صراحة لا نعلم عنها أي شيء .

شكرا للجريدة على النشر والتفاعل الإيجابي
Le master

شارك المقال
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة