قراءة سياسية في معارضة هاني فتح الله عضو مقاطعة جليز

هيئة التحرير16 فبراير 2026
قراءة سياسية في معارضة هاني فتح الله عضو مقاطعة جليز

إشارة : أغلقنا قوس تحليل المؤتمر الجهوي لمنظمة شباب الأصالة والمعاصرة بما فيه وبما عليه، لأنه أولا وأخيرا يبقى شأنا حزبيا داخليا، وثانيا لأننا لا نحمل أقلام تلوين وإنما مشرطا وإبرة وأيدينا معقمة جيدا وبطوننا مشدودة بإحكام وهذه هي مبادئنا في الجراحة والتحليل، فحملة الأقلام كثر، ولكن المصيب والمسدد منهم قليل، فكما يحتاج السيف إلى ساعد قوي، يحتاج القلم إلى فكر سديد، وإن أقلامنا ليس كالسيوف التي ترفع بغير بصيرة، وتضرب بغير هدف، فلا تصيب عدلا ولا تقيم حقا، بل تثير فقط غبارا وتكثر ضجيجا .. وثالثا لا يستقيم أن نرسخ لفكرة أفلاطون الذي قال فيها: تنبثق الديكتاتورية أحيانا من الديمقراطية ، وأشد أشكال نعم الإستبداد والإستعباد ربما يخرج من بين أكثر الحريات تطرفا… ولكن سننهل من كلام مولاي هشام المهاجري في المؤتمر أنها سنة إنتخابية، حيث يختلط فيها الناصح والغيور مع المشوش والغادر.

في البناء الدستوري المغربي الحديث لم تعد الممارسة السياسية تقاس فقط بحرية التعبير في معناها الفضفاض بقدر ما أصبحت مؤطرة بمنظومة دقيقة من الحقوق والواجبات، حيث يتحول المنتخب من مجرد فاعل سياسي إلى مسؤول مؤسساتي ملزم بمنطق المشاركة والمساءلة، ومن هنا فإن النقاش حول لجوء بعض المنتخبين إلى الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لانتقاد تدبير جماعة مراكش لا ينبغي أن يوضع في خانة الدفاع عن حق التعبير، لأن جوهر المسألة أعمق بكثير فهو يتعلق بموقع المنتخب داخل المؤسسة، وبالأدوات الدستورية والقانونية التي يملكها، وبالمسؤولية السياسية التي لا يمكن التنصل منها عند اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

إن معرض حديثنا يتمحور حول تحليل خروج السيد هاني فتح الله عضو مجلس مقاطعة جليز وعضو حزب الاستقلال إلى الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي لانتقاد تدبير وأشغال جماعة مراكش، وهو خروج يفرض قراءة سياسية تتجاوز الشخص إلى الموقع التنظيمي الذي يتحرك منه، فلا أحد يجادل في حقه في التعبير غير أن السؤال الحقيقي يتعلق بكيفية ممارسة هذا الحق حين يصدر عن منتخب من الأغلبية، حيث يمتلك من داخل المؤسسات ما يكفي من الآليات القانونية لتفعيل الرقابة والمساءلة.

إن الفصل 27 من الدستور المغربي واضح في تكريس الحق في الحصول على المعلومة، باعتباره أحد أعمدة الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، غير أن هذا الحق لا يمنح للمنتخب لكي يتحول إلى معارض إعلامي خارج المؤسسة، وإنما لكي يمارس الرقابة من داخلها، مستندا إلى الشرعية القانونية التي تخوله الاطلاع، السؤال، والتداول، فالمنتخب ليس مواطنا عاديا يفتقر إلى الآليات ولكن هو جزء من جهاز القرار المحلي، يملك من الوسائل ما لا يملكه غيره.

وفوق ذلك، فإن القانون التنظيمي للجماعات الترابية لم يترك عضو المجلس في موقع المتفرج بل منحه صلاحيات دقيقة، في مقدمتها الحق في إدراج نقط بجدول أعمال الدورات، وطرح الأسئلة، والمشاركة في اللجان الدائمة التي تشكل المجال الحقيقي لصناعة القرار قبل أن يصل إلى منصة التصويت، وبالتالي فإن أي حديث عن النقد من خارج المؤسسات يصبح مثيرا للاستغراب حين يصدر عن عضو ينتمي إلى الأغلبية ويمتلك كامل القنوات القانونية لمساءلة التدبير داخل المجلس لا خارجه.

وتزداد المفارقة وضوحا حين يتعلق الأمر بحزب من حجم حزب الاستقلال الذي يتوفر على فريق داخل جماعة مراكش، وعلى تمثيلية تخوله التداول المؤسساتي حول الأشغال والصفقات والنقط الخلافية داخل اللجان، ثم إدراجها رسميا في جدول أعمال الدورات، فالحزب ليس له مقعدا واحدا وإنما هو تنظيم سياسي مشارك في القرار، مسؤول عن اختياراته داخل الأغلبية، ولا يمكنه الجمع بين موقع التدبير وموقع المعارضة الذي من شأنه إرباك المعنى السياسي للتحالفات.

إن اللجوء إلى الإعلام في هذه الحالة لا يبدو مجرد ممارسة رقابية بريئة يمكن التسليم بها، ولكن تجعلنا نفتح الباب أمام قراءة سياسية مرتبطة بسياق اقتراب الانتخابات، حيث تلجأ بعض مكونات الأغلبية إلى ما يمكن تسميته بالتنصل الناعم من المسؤولية أي صناعة مسافة خطابية وإعلامية مع التدبير، ليس بهدف الإصلاح من الداخل وإنما بهدف التموقع الانتخابي خارج كلفة القرار السياسي الجماعي.

وهنا تكمن الخطورة، فالأغلبية ليست وضعا عدديا داخل المجلس ولكن أكيد أنها مسؤولية سياسية كاملة، فمن غير المنطقي أن يتحول عضو من الأغلبية، مثل السيد هاني فتح الله إلى ناقد خارجي يتحدث بمنطق المعارضة بينما حزبه يمتلك الآليات الدستورية والقانونية لإثارة القضايا داخل المؤسسات، لأن هذا السلوك أولا يضعف صورة المجلس وثانيا يبعث برسالة سلبية للمواطن مفادها أن الفاعلين أنفسهم يمارسون السياسة بمنطق الهروب من المسؤولية كلما اقتربت صناديق الاقتراع.

وبذلك، فإن السؤال الجوهري ليس: هل يحق للسيد هاني فتح الله أن ينتقد؟ ولكن لماذا ينتقد من خارج المؤسسة وهو يمتلك أدوات النقد داخلها؟ ولماذا يتحول بعض مكونات الأغلبية إلى ممارسة معارضة غير معلنة كلما اقتربت الاستحقاقات؟ أهو نقد إصلاحي مسؤول، أم مجرد إعادة تموقع انتخابي على حساب الانسجام المؤسساتي؟

غير أن هذا التساؤل يزداد عمقا حين نستحضر خصوصية السياق السياسي المحلي بمدينة مراكش باعتبارها تاريخيا إحدى القلاع الانتخابية الكبرى لحزب الأصالة والمعاصرة، ومجالا سياسيا شديد الحساسية بالنسبة للعمدة فاطمة الزهراء المنصوري، فهنا لا يعود النقاش متعلقا فقط بموقف فردي فقط و إنما يتجاوزه ليصبح السؤال هو: هل نحن أمام مجرد اجتهاد شخصي صادر عن عضو منتخب؟ أم هي معارضة السيد خليل بولحسن لسنة 2015 يتقمص دورها صديقه السيد هاني فتح الله في سنة 2026؟ أم أننا أمام توزيع أدوار محسوبة بدقة داخل حزب الاستقلال؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى منطق الضغط السياسي المنظم؟

ومن هذا المنظور، يصبح من المشروع طرح السؤال بصيغة تحليلية لا اتهامية: هل يمكن أن يكون هذا النوع من التصعيد الإعلامي جزءا من حرب سياسية غير مباشرة تستهدف الضغط على المنصوري داخل معقلها الانتخابي وتشتيت انتباهها في لحظة دقيقة نحن مقبلون عليها تتعلق باستحقاقات تشريعية هامة؟ وهل أعطى الأمين العام لحزب الاستقلال السيد نزار البركة إشارات أو تعليمات ضمنية لتحريك الجبهة المحلية بمراكش، ليس بالضرورة عبر معارضة صريحة ولكن عبر كسر التوازن داخل الأغلبية وخلق توتر سياسي يضعف المنصوري في عقر دارها السياسية؟

إنها أسئلة تفرضها طبيعة المرحلة أكثر مما يفرضها مضمون الخرجات الإعلامية، لأن السياسة خصوصا قبيل الانتخابات لا تتحرك دائما بمنطق المواقف النبيلة، فحسب ما نعرفه أنها كثيرا ما تدار بمنطق الحروب الناعمة ومحاولات إنهاك الخصم عبر الضغط عليه شعبيا وشعبويا، ومن ثم فإن ما يبدو خطابا رقابيا بسيطا عبر الإعلام قد يخفي خلفه رهانات تموقع انتخابي وصراع نفوذ وطني.
وبناء على ما سبق هل الإستهدافات المتكررة التي تعرض لها الدكتور طارق حنيش نائب عمدة مراكش كان لبعض منتسبي حزب الاستقلال يد في بعضها؟!
هذا مجرد تساؤل بريء لأننا دائما ما نجعل من الشك المنهجي عند ديكارت وسيلتنا للوصول إلى الحقيقة وهذه الحقيقة دائما تبقى عندنا نسبية وليست مطلقة وكما قال سقراط : كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف شيئا.

الشكر للجريدة على التفاعل والنشر في المقالين السابقين.
ورمضان كريم وعيد مبارك سعيد

شارك المقال
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة