في توقيت لافت، تزامن مع الاستعدادات لإحياء عيد الشغل، صادق مجلس الحكومة على التوجه نحو إعداد مشروع القانون رقم 032.26، القاضي بتعديل عدد من المقتضيات الأساسية في مدونة الشغل، خاصة المواد 62 و63 و64 المرتبطة بمسطرة الفصل التأديبي. هذا التوجه أعاد إلى الواجهة نقاشاً حساساً حول مدى احترام التوازن بين حقوق الأجراء ومصالح المشغلين.
وتُعد مسطرة الفصل التأديبي من أكثر المراحل حساسية في العلاقة الشغلية، بالنظر إلى ما قد يترتب عنها من آثار مباشرة على الاستقرار المهني والاجتماعي للأجير. فقرار الفصل لا يقتصر على إنهاء علاقة عمل، بل قد يمتد تأثيره إلى الوضع الاقتصادي للأسرة ككل.
ورغم أن مراجعة مدونة الشغل تُطرح منذ سنوات كمطلب إصلاحي، فإن طبيعة التعديلات المقترحة أثارت تساؤلات لدى عدد من المتابعين والفاعلين، خاصة فيما يتعلق بمدى انسجامها مع مبدأ حماية الأجير.
أولاً: تمديد أجل الاستماع يقترح المشروع رفع الأجل المخصص للاستماع إلى الأجير من 8 أيام إلى 30 يوماً، مع احتساب هذا الأجل ابتداءً من تاريخ علم المشغل بالخطأ. ويرى منتقدو هذا التعديل أنه قد يفتح المجال لتأويلات واسعة، خصوصاً في ما يتعلق بتحديد لحظة “العلم بالخطأ”، وهو ما قد يطيل فترة عدم اليقين بالنسبة للأجير.
في المقابل، يمكن أن يُفهم هذا التمديد أيضاً على أنه محاولة لمنح المشغل وقتاً كافياً للتحقق من الوقائع وضمان اتخاذ قرار مبني على معطيات دقيقة، وهو ما يعكس أحد أوجه النقاش القائم حول المشروع.
ثانياً: توسيع دائرة المؤازرة ينص التعديل على إمكانية استعانة الأجير بأي زميل له داخل المؤسسة خلال جلسة الاستماع، بعدما كان الخيار محصوراً في مندوب الأجراء أو الممثل النقابي. وبينما قد يبدو هذا التوسيع إيجابياً من حيث الشكل، يطرح تساؤل حول فعالية هذه المؤازرة في غياب التكوين القانوني والحماية التي يتمتع بها الممثلون النقابيون.
ثالثاً: تعديل آجال تبليغ قرار الفصل يقترح المشروع أيضاً رفع أجل تبليغ مقرر الفصل من 48 ساعة إلى 10 أيام، على أن يبدأ احتساب هذا الأجل من تاريخ جلسة الاستماع. هذا التعديل قد يمنح الإدارة هامشاً زمنياً أوسع لاتخاذ القرار، لكنه في المقابل يطيل فترة الانتظار بالنسبة للأجير، وهي فترة توصف غالباً بالحساسة نفسيا ومهنيا.
بين الإصلاح والتوازن الاجتماعي يثير هذا المشروع نقاشاً أوسع حول فلسفة إصلاح مدونة الشغل: هل الهدف هو تحقيق مرونة أكبر في سوق الشغل، أم تعزيز الضمانات الاجتماعية للأجراء؟ الواقع أن أي تعديل في هذا المجال يظل رهيناً بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين حماية حقوق العمال وضمان استقرار المقاولة.
وفي انتظار عرض المشروع على المسار التشريعي، يبقى النقاش مفتوحاً أمام مختلف الفاعلين، من نقابات ومهنيين وخبراء، لإعادة طرح السؤال الجوهري: كيف يمكن تحديث مدونة الشغل دون المساس بجوهر الحماية الاجتماعية التي جاءت من أجلها؟















