خطر جماعة العدل والاحسان على المملكة المغربية في ظل التوترات الإقليمية

خطر جماعة العدل والاحسان على المملكة المغربية في ظل التوترات الإقليمية

في سياق إقليمي ودولي مضطرب حيث تتقاطع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط مع تحولات موازين القوى العالمية، تبرز مسألة تحصين الجبهة الداخلية المغربية كأولوية استراتيجية لا تقل أهمية عن أي تهديد خارجي مباشر، فالدول مهما بلغت قدراتها الدفاعية تظل أكثر هشاشة عندما يأتي الخطر من الداخل، متخفيا في خطاب أو تنظيم أو تموقع سياسي يشتغل على تفكيك الثقة، أو إعادة توجيه الوعي الجماعي في لحظات التوتر.


ضمن هذا الإطار، يثار النقاش حول موقع ودور جماعة العدل والإحسان باعتبارها واحدة من أبرز الفاعلين غير المندمجين مؤسساتياً في الحقل السياسي المغربي، والتي تستند إلى مرجعية إيديولوجية ذات طابع إسلامي شمولي، يتجاوز في بعض أطروحاته منطق الدولة الوطنية إلى أفق أممي يتقاطع مع تصورات حركات أخرى في المنطقة.


إن قراءة موقع الجماعة اليوم لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي خاصة في ظل تصاعد الخطاب التعبوي المرتبط بالقضية الفلسطينية والحرب الدائرة في الشرق الأوسط والتي تستثمر رمزيا من قبل فاعلين مختلفين لإعادة إنتاج خطاب المظلومية أو الشرعية، وفي هذا المستوى تتحول بعض التنظيمات ذات الخلفية الإيديولوجية المشتركة إلى قنوات غير مباشرة لإعادة تدوير سرديات تتقاطع ولو جزئيا مع أجندات خارجية، سواء بشكل واع أو عبر ما يمكن تسميته بالتماهي الإيديولوجي غير المحسوب.


هنا تبرز خطورة ما يمكن تشبيهه بالطعن من الداخل، فالصواريخ بعيدة المدى مهما بلغت دقتها تظل مرئية ويمكن التعامل معها عبر منظومات الدفاع، أما الاختراق الناعم للجبهة الداخلية عبر الخطاب، التعبئة، والتأثير على الرأي العام فهو أخطر، لأنه يشتغل على مستوى الوعي ويستهدف تماسك الدولة من الداخل .


لا يعني هذا بالضرورة اختزال جماعة العدل والإحسان في دور وظيفي لصالح أطراف خارجية، فذلك تبسيط مخل، لكن الإشكال يطرح في مستوى قابلية التوظيف، فكل تنظيم يحمل رؤية شمولية عابرة للحدود، وغير مندمج في النسق المؤسساتي، يظل موضوعيا قابلا لأن يستثمر في لحظات التوتر الإقليمي.


وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما راكمته إيران عبر أذرعها الإقليمية وعلى رأسها حزب الله من توترات مع المغرب، حيث وجهت اتهامات بدعم جبهة البوليساريو، وهو ما اعتبرته الدولة تهديدا مباشرا لوحدتها الترابية، ودفعها إلى اتخاذ إجراءات دبلوماسية حازمة، وقد عبر الشعب المغربي عن رفض واضح لهذه التدخلات في مقابل صمت بعض الفاعلين الذين يتقاطعون إيديولوجيا مع هذه الأطراف.


كما شهد العام الماضي ترويج معطيات حول سفينة تحمل معدات عسكرية سترسو في ميناء طنجة المتوسط، وهو ما استخدم لتأجيج خطاب احتجاجي وتشويش على هذا المرفق الاستراتيجي، قبل أن يتبين أن الأمر يدخل في سياق حرب اقتصادية وإعلامية.


وفي مقابل ذلك، يمكن استحضار جمعية الدعوة إلى القرآن والسنة التي كانت من بين الأصوات التي حذرت من مخاطر التشيع ومن توظيف الدين في مشاريع مسمومة، وذلك انطلاقا من منظورها الدعوي القائم على حماية الثوابت الدينية وصيانة الهوية المذهبية، كما حذرت من المرجعية الفكرية لجماعة العدل و الإحسان مرارا وتكرارا ..


وعليه، يبرز النموذج المغربي بخصوصيته في تدبير التعد الدعوي والفكري ، إذ كما يتيح التعددية الحزبية والسياسية في إطار مؤسساتي واضح، فإنه يفسح أيضا المجال لتعدد التعبيرات الدعوية والفكرية، لكن ضمن سقف محدد تحكمه ثوابت الدولة، واحترام المؤسسات، وصيانة البنية الدستورية والروحية للمجتمع، وهو ما يجعل من هذا التعدد في حال تأطيره بشكل سليم، عنصر غنى وتوازن، لا مدخلا للاختراق أو التوظيف.

في الحالة المغربية، تتميز الدولة بقدرة تاريخية على امتصاص التوترات، عبر مزيج من الشرعية الدينية، التعددية السياسية، والانفتاح الديمقراطي، غير أن هذه المناعة ليست مطلقة، بل تتطلب يقظة مستمرة، خاصة في ظل التحولات الرقمية التي جعلت من الفضاء الافتراضي ساحة مركزية لإعادة تشكيل الرأي العام.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود اختلافات إيديولوجية فذلك من صميم التعدد بل في كيفية تدبيرها داخل إطار وطني جامع، يمنع تحولها إلى أدوات اختراق أو توظيف خارجي، فالفارق كبير بين معارضة سياسية وطنية، مهما كانت حدة خطابها، وبين تموقع رمادي يفتح المجال لتقاطع غير مباشر مع أجندات لا تنطلق من نفس منطق الدولة الوطنية.


وعليه، فإن تحصين الجبهة الداخلية أصبح في الوقت الراهن له ضرورية ملحة، فقد تأتي التهديدات من السماء أو من خلف الحدود، لكنها تظل قابلة للرصد والرد، أما الخطر الحقيقي فهو ذاك الذي ينمو داخل البيت في صمت، ويتغذى من التوترات، ليضرب في لحظة حرجة حيث تكون الكلفة أكبر والصدمة أعمق.

شكرا لجريدة جامع الفنا بريس على النشر و التجاوب الإيجابي . فالرأي حر وغير ملزم

شارك المقال
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة