لم تأت الرسالة الملكية السامية التي وجهها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله إلى المشاركين في المؤتمر العالمي الثامن للمدن والحكومات المحلية المتحدة الذي إنعقد بمدينة طنجة يوم 23.06.2026 باعتبارها خطابا موجها إلى مؤتمر دولي فحسب، بل شكلت وثيقة مرجعية تؤطر المرحلة الجديدة لتدبير الشأن الترابي بالمغرب، فقد أكدت ضمنيا أن نجاح الجماعات الترابية لم يعد يقاس بمن يمتلك الأغلبية العددية أو بمن يتولى رئاسة المؤسسات، وإنما بقدرتها على تطوير الديمقراطية، وتجديد الحكامة المحلية، وضمان استمرارية المشاريع، وتأهيل المنتخبين، وترسيخ العدالة المجالية، وتجديد الثقة بين المواطن والمؤسسات، بما يجعل خدمة المواطن وجودة الخدمات العمومية الغاية الأساسية لكل ممارسة سياسية في إطار دينامية تنموية تظل كما أكدت الرسالة الملكية مرتبطة إرتباطا وثيقا بثوابت الأمة التي تشكل جوهر الإجماع الوطني وأساس الاستقرار والتنمية.
وفي هذا السياق، يصبح النقاش حول مستقبل قيادة المدن الكبرى ومنها مدينة مراكش نقاشا يتجاوز منطق التنافس الحزبي الضيق، ليندرج ضمن سؤال أوسع يتعلق بكيفية ضمان استمرارية الأوراش التنموية، وتنزيل الحكامة الترابية الجديدة، ومشاريع برامج التنمية المندمجة، والحفاظ على الانسجام المؤسساتي الذي يجعل المصلحة العامة فوق الاعتبارات الحزبية.
في السياسة لا تدار المدن الكبرى فقط بمنطق الأغلبية العددية وإنما أيضا بمنطق التوازنات والاستقرار وتدوير المسؤوليات في إطار الديمقراطية التي رسخها دستور 2011، وإذا كانت مدينة مراكش قد عاشت خلال السنوات الأخيرة تداولا سياسيا بين أحزاب مختلفة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه مع اقتراب نهاية الولاية الحالية هو: هل يكون عبد الواحد الشفاقي الإسم الأقرب لقيادة عمودية مراكش في المرحلة المقبلة؟
منذ سنة 2009 تمكن حزب الأصالة والمعاصرة من فرض نفسه كقوة سياسية رئيسية في تدبير مدينة مراكش واستمر حضوره إلى غاية سنة 2015، قبل أن تنتقل رئاسة الجماعة إلى حزب العدالة والتنمية خلال الولاية الممتدة بين 2015 و2021، وبعد انتخابات 2021 عاد الحزب مجددا إلى قيادة المدينة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري في عودة أكدت استمرار الثقل الانتخابي والتنظيمي للبام داخل العاصمة السياحية للمملكة.
اليوم تبدو الخريطة السياسية مختلفة، فالعدالة والتنمية لم يعد يمتلك القوة التي كان عليها قبل سنوات، كما أن حزب الاستقلال فقد مؤخرا بوصلته ولا يظهر له أثر سياسي قوي إلى حدود الساعة باعتباره منافسا قويا على رئاسة الجماعة، وفي المقابل يواصل التجمع الوطني للأحرار حضوره المؤسساتي من خلال رئاسة مقاطعتي جليز والمنارة، وهو ما يمنحه وزنا داخل التوازنات المحلية.
في ظل هذا المشهد يبرز منطق التداول داخل الأغلبية باعتباره أحد السيناريوهات الممكنة، فالنظام السياسي المغربي لا يشجع احتكار تدبير المؤسسات من طرف جهة واحدة بشكل دائم، وإنما يقوم على البحث عن التوازنات واستمرار الاستقرار المؤسساتي في إطار التعددية الحزبية، وإذا نجحت الأغلبية الحالية في الحفاظ على موقعها بعد الانتخابات فقد يصبح من الطبيعي أن يطرح نقاش حول إعادة توزيع المسؤوليات داخلها.
وسط هذه المعادلة يبرز إسم عبد الواحد الشفاقي باعتباره من أكثر الشخصيات حضورا داخل الأغلبية المسيرة، فرغم اختلاف انتمائه الحزبي عن حزب الأصالة والمعاصرة ظل ملتزما بخيارات الأغلبية ولم يدخل في صراعات سياسية مع رئاسة الجماعة، بل اختار دعم المشاريع الكبرى والحفاظ على انسجام التحالف داخل المجلس، والمعطيات المؤكدة محليا هي وجود تنسيق مستمر بينه وبين فاطمة الزهراء المنصوري في عدد من الملفات ذات الأهمية بالنسبة للمدينة، وهو ما عزز صورة علاقة سياسية بينهما قائمة على الثقة والتعاون.
ولعل من أبرز ما عزز مكانة الشفاقي داخل الأغلبية هي مواقفه السياسية خلال الفترات التي تعرضت فيها فاطمة الزهراء المنصوري لحملات استهداف وانتقاد سياسي وإعلامي، ففي الوقت الذي فضل فيه البعض الصمت أو التعامل مع تلك المحطات بمنطق الحسابات السياسية، اختار الشفاقي الدفاع عن المنصوري وتكلم بمنطق الأغلبية دون أن يحول تلك المواقف إلى وسيلة لكسب النقاط أو تحقيق مكاسب سياسية شخصية، وهو ما رسخ صورة مسؤول موثوق فيه، حيث يضع استقرار التحالف فوق الاعتبارات الظرفية، ويؤمن بأن نجاح الأغلبية مسؤولية جماعية، الأمر الذي عزز منسوب الثقة السياسية بينه وبين المنصوري، حتى إن هذا التقارب دفع البعض إلى نسج روايات عن انتقال الشفاقي إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وهي قراءة تكشف محدودية في فهم طبيعة العمل السياسي داخل التحالفات، فالعقول التي تنظر إلى السياسة بمنطق الاصطفاف الحزبي الصرف يصعب عليها استيعاب أن الثقة والتنسيق والوفاء للتحالف لا تعني تغيير الانتماء، بل تعكس نضجا سياسيا يضع المصلحة العامة واستقرار المؤسسات فوق الحسابات الحزبية الضيقة.
إن هذا الانسجام يجعل التجمعي عبد الواحد الشفاقي من الناحية السياسية أحد أكثر الأسماء قدرة على قيادة مرحلة جديدة داخل الأغلبية، خاصة وأنه راكم تجربة في تدبير الشأن المحلي من خلال رئاسته لمقاطعة المنارة إلى جانب حضوره البرلماني الجيد وتتبعه لعدد من الملفات التنموية والاجتماعية.
ولا يقتصر هذا الرصيد على الخبرة المؤسساتية بل يمتد إلى أسلوبه في ممارسة العمل السياسي، ورجوعا إلى الرسالة السامية التي وجهها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله إلى المؤتمر العالمي الثامن للمدن والحكومات المحلية المتحدة نجد جلالة الملك محمد السادس نصره الله يؤكد أن بناء علاقة متجددة بين الحكومات والجماعات المحلية والساكنة يقتضي أن تقوم على القرب، والإنصات، والتشاور، والشفافية، والمشاركة، باعتبارها مسؤولية عمومية مشتركة لتحقيق تنمية منصفة ومستدامة، وعليه وبالعودة إلى المشهد المراكشي نجد أمامنا عبد الواحد الشفاقي باعتباره إعتمد على امتداد سنوات نهج التواصل المباشر مع المواطنين، والإنصات لانشغالاتهم، والحضور الميداني المستمر، وهو ما أسهم في ترسيخ صورته كسياسي للقرب وجعل حضوره يتجاوز الإطار المؤسساتي إلى علاقة يومية مع الساكنة بما ينسجم مع الفلسفة التي دعت إليها الرسالة الملكية من حيث تجديد الحكامة المحلية وتعزيز الثقة في المؤسسات وإعادة بناء الثقة كذلك بين المنتخب والمواطن.
ولا تقف عناصر قوة هذا الطرح السياسي عند هذا الحد، فعبد الواحد الشفاقي يحظى أيضا بعلاقة جد جيدة مع قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، سواء مع رئيس الحكومة عزيز أخنوش أو رئيس الحزب محمد شوكي أو مع القيادة الجهوية وهو ما يمنحه قدرة على لعب دور حلقة الوصل بين الحزبين داخل مراكش، حيث في مرحلة تتطلب الحفاظ على استقرار الأغلبية أكثر من أي وقت مضى لابد من وجود شخصية تحظى بثقة قيادة الأحرار وتحافظ في الوقت نفسه على علاقة متينة مع قيادة الأصالة والمعاصرة إضافة إلى علاقته الجيدة مع باقي الفرقاء السياسيين والأحزاب الأخرى، وهنا يضعه السياق السياسي بمثابة الورقة الأكثر قدرة على ضمان استمرارية التحالف وتوازناته وانسجامه.
ومن زاوية أخرى، فإن انتقال عمودية مراكش إلى أحد مكونات الأغلبية لا يعني بالضرورة تراجع دور الأصالة والمعاصرة داخل المدينة، بقدر ما يعكس نضجا في تدبير التحالفات وتقاسم المسؤوليات، فالمنصوري التي راكمت حضورا سياسيا يتجاوز الشأن المحلي إلى أدوار وطنية داخل الحزب والحكومة، قد تجد في هذا السيناريو فرصة للتفرغ أكثر لرهاناتها الحكومية المستقبلية مع ضمان استمرار المشروع الذي قادته داخل المدينة عبر شريك يحظى بثقتها ويحافظ على نفس منطق التنسيق.
ولأن الشيء بالشيء يذكر، لا يمكن الحديث عن مستقبل عمودية مراكش بمعزل عن التحولات التي عرفتها المدينة خلال السنوات الأخيرة، فبعيدا عن التقييم غير الموضوعي أو الإنسياق وراء الدعاية السياسية فقد قطعت مراكش أشواطا مهمة في تحديث بنيتها التحتية من خلال إطلاق أوراش تنموية كبرى وذالك بفضل مقاربة قائمة على الشراكات بين جماعة مراكش وعدد من القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية، وهو ما يحسب لفاطمة الزهراء المنصوري التي نجحت في استقطاب هذه الشراكات وجعل المدينة تقف على سكة مشاريع استراتيجية ستستمر آثارها خلال السنوات المقبلة، وفي هذا الإطار فإن التحدي لعمدة مراكش المستقبلي لن يكون الانطلاق من نقطة الصفر أو البحث عن الشراكات بقدر ما سيكون الحفاظ على هذه الدينامية وضمان استمرارية الأوراش المفتوحة، واستكمال المشاريع المهيكلة بما ينسجم مع منطق الاستمرارية وكذا مواصلة البناء على ما تحقق والذي أصبح أحد مرتكزات الحكامة الترابية الحديثة، كما أن مشاريع كأس العالم 2030 ستشكل رافعة استراتيجية لمواصلة هذا المسار، بما ستتيحه من استثمارات وأوراش مهيكلة ستدفع بمدينة مراكش إلى المضي قدما في تحديث بنيتها التحتية وتعزيز جاذبيتها.
في السياق السياسي المغربي المقبل لن تنبني التحالفات السياسية بعدد المقاعد المحصلة وإنما بقدرتها على الحفاظ على الأغلبية السياسية الحالية، سواء في إطار الحكومة أو في إطار المجالس الترابية، مع إنتاج تداول هادئ على المسؤولية حكوميا وجهويا ومحليا دون أن يتحول التنافس الحاصل حاليا إلى بلوكاج سياسي أو تنموي، وإذا استمرت g3 فستكون مراكش – بما تمثله من رمزية سياسية وتنموية – إحدى المدن التي تقدم نموذجا ناجحا لهذا النوع من التداول السياسي الإيجابي.
إن استشرافنا لهذا السيناريو السياسي رغم أن الولاية الحالية لا يزال يفصلها عن نهايتها قرابة عام، لا يقوم على مجرد التخمين أو قراءة الفنجان ، ولكن يستند إلى معطيات دقيقة تهم تطور المشهد السياسي الوطني، وإلى مؤشرات محلية مرتبطة بالتوازنات السياسية وموقع الفاعلين داخلها، كما يستند إلى قراءة للتحولات المنتظرة بعد الاستحقاقات الإنتخابية المقبلة، حيث تبدو بعض القيادات الحزبية وفي مقدمتها قيادات الأصالة والمعاصرة مرشحة للاضطلاع بمهام وأدوار أخرى تتجاوز تدبير الشأن المحلي، وهي معطيات نحتفظ في هذه المرحلة ببعض تفاصيلها على أن نكشفها في الوقت المناسب.
ونختم هذا التحليل بهذه المعادلة السياسية: إذا كان عزيز أخنوش سيسلم مفاتيح الحكومة إلى فاطمة الزهراء المنصوري فأكيد أن فاطمة الزهراء المنصوري ستسلم مفاتيح عمودية مراكش لعبد الواحد الشفاقي.
LEM7















