عاد ملف البناء العشوائي ليطفو من جديد بدوار الرحى، المتاخم لدوار القرطاس بجماعة وباشوية تسلطانت، في مشهد يثير علامات استفهام عريضة حول مدى نجاعة المراقبة الميدانية، وحول ما إذا كانت السلطات المحلية قادرة فعلاً على وضع حد للتوسع العمراني غير القانوني، خصوصا أن المنطقة تدخل ضمن الحزام الأخضر الذي يفترض أن يحظى بحماية خاصة من الزحف العمراني والتجزئات غير المرخصة.

وتعود تفاصيل الملف إلى مارس 2023، حين سبق لـ«جامع الفنا بريس» أن أثار، في مقال منشور بتاريخ 22 مارس من السنة نفسها، معطيات بشأن خروقات مرتبطة بالبناء العشوائي بالموقع المذكور. آنذاك، تدخلت السلطات المحلية، وتم هدم البناية المخالفة في مناسبتين، في خطوة أوحت بأن الملف يسير نحو وضع حد نهائي للمخالفة.

غير أن ما يثير الاستغراب اليوم هو أن البقعة نفسها عادت إلى الواجهة، بعدما تحولت تدريجياً إلى بناية كبيرة تضم، حسب المعاينة المتوفرة، خمسة أبواب مستقلة، في مشهد يوحي بوجود توجه نحو تقسيم العقار إلى وحدات سكنية، بما يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الأشغال المنجزة ومدى توفرها على التراخيص القانونية اللازمة.

والأكثر إثارة للاستفهام أن الموقع يوجد عند مدخل الدوار، وليس في منطقة معزولة أو بعيدة عن الأنظار، ما يجعل استمرار الأشغال، بعد هدم البناية في مناسبتين، يطرح علامات استفهام حول فعالية المراقبة اليومية ومدى حزم السلطات المحلية في مواجهة المخالفات العمرانية.
وتتداول مصادر محلية معطيات تفيد بأن صاحب البناية سبق أن ارتبط اسمه بممارسات تتعلق بالمضاربة في البناء، كما أن المنزل المقابل للبناية موضوع الجدل يعود بدوره إلى ملكيته، مع حديث عن بيع أجزاء منه في وقت سابق. وهي معطيات تظل، في انتظار التحقق الرسمي منها، بحاجة إلى توضيح من الجهات المختصة.
من يحمي الحزام الأخضر؟
القضية لا تتوقف عند مجرد مخالفة عمرانية محتملة، بل تكتسي أهمية أكبر بالنظر إلى موقع دوار القرطاس “دوار الرحى” ضمن المجال المصنف حزاما أخضر لمراكش، وهو مجال يفترض أن يخضع لضوابط صارمة تحول دون تحويل الأراضي إلى تجمعات سكنية عشوائية أو تجزئات غير قانونية.
ومن هنا تبرز أسئلة مشروعة تنتظر أجوبة واضحة من السلطات المختصة بتسلطانت: كيف أمكن لبناية سبق هدمها مرتين أن تعود إلى الظهور من جديد وبحجم أكبر؟ وهل تم تحرير محاضر بشأن إعادة البناء؟ وما مآلها؟ وهل تم تفعيل المساطر القانونية والقضائية المنصوص عليها في قوانين التعمير؟
كما يطرح استمرار الأشغال سؤالاً آخر أكثر حساسية: أين كانت المراقبة المحلية خلال مراحل إعادة البناء؟
فإذا كانت السلطات قد تمكنت سابقاً من رصد البناية وهدمها، فإن عودتها من جديد تستدعي توضيحاً حول أسباب عدم إيقاف الأشغال في بدايتها، خصوصاً أن حماية الحزام الأخضر مسؤولية مشتركة تفرض التصدي المبكر لأي زحف عمراني قد يهدد خصوصية المجال.
إن مواجهة البناء العشوائي لا يمكن أن تقتصر على عمليات هدم ظرفية، ثم ترك المجال أمام المخالف للعودة إلى البناء من جديد، لأن مثل هذه الممارسات، إن ثبتت، قد تحول الهدم إلى مجرد إجراء مؤقت لا يحقق الردع المطلوب.
ويبقى الرأي العام المحلي في انتظار تدخل حازم من السلطات المختصة بتسلطانت، وفتح تحقيق إداري للوقوف على ظروف وملابسات إعادة تشييد البناية، وتحديد المسؤوليات، والتأكد من مدى احترام المساطر القانونية، خاصة أن الأمر يتعلق بمجال يفترض أن يحظى بحماية من التوسع العمراني غير المنظم.
وفي انتظار توضيحات رسمية من الجهات المعنية، يظل السؤال الأبرز مطروحاً بقوة: إذا كان القانون قد هدم هذه البناية مرتين.. فمن سمح لها بأن تعود من جديد؟ ومن يحمي الحزام الأخضر بتسلطانت من الزحف العمراني؟















