قلعة السراغنة تحت الحصار: “السيلسيون” يغزو عقول الشباب والأطفال

هيئة التحرير7 يناير 2026
قلعة السراغنة تحت الحصار: “السيلسيون” يغزو عقول الشباب والأطفال

محمد الحجوي

في ظل صمت مؤسساتي مريب، تستفحل بمدينة قلعة السراغنة ظاهرة خطيرة تهدد النسيج الاجتماعي ومستقبل جيل بأكمله. إنها ظاهرة تعاطي مادة “السيلسيون” اللاصقة، التي انتشرت كالنار في الهشيم بين صفوف التلاميذ، وخاصة في المرحلتين الإعدادية والثانوية، بل ووصلت براثنها إلى أطفال في أعمار مبكرة.

لم تعد المشاهد مقتصرة على فئات هامشية، بل أصبحت مألوفة رغم بشاعتها: أطفال وشباب في حالة يُرثى لها، يحمل كل منهم قطعة قماش أو غشاءً بلاستيكياً، يضعونه على أنوفهم لاستنشاق أبخرة مادة “السيلسيون” السامة. إنهم يفعلون ذلك وهم غافلون عن العاصفة المدمرة التي يستدعونها على صحتهم الجسدية والعقلية، وعن الهاوية التي يقتربون منها خطوة تلو الأخرى، حيث يبدأ الانحراف وينتهي أحياناً إلى سلوك إجرامي.

ويكشف واقع الحال عن كارثة متعددة الأبعاد. فمن جهة، يتوفر هذا السم بشكل صادم وبأسعار زهيدة تتراوح بين 30 و400 درهم، مما يجعله في متناول جيوب التلاميذ. ومن جهة أخرى، تحولت تجارته إلى عمل علني تقريباً، حيث تتهم ساكنة المدينة بعض الدكاكين والباعة بتجارة “السيلسيون” بلا رادع أو رقيب، مستغلين حاجة هذه الفئة العمرية وضعف الرقابة، في تجارة وصفت بأنها “مربحة” على حساب مستقبل الشباب.

هذا الغزو السام لم يعد مشكلة فردية أو عائلية فقط، بل تحول إلى قضية مجتمعية عامة تثير القلق والرعب في صفوف الأسر. فالمواد المذيبة مثل “السيلسيون” لا تسبب الإدمان فحسب، بل تؤدي إلى تلف في خلايا المخ، وضعف التركيز، وتدهور التحصيل الدراسي، وتغييرات خطيرة في السلوك والشخصية، مما يحول حياة المدمن إلى سلسلة من المشاكل الصحية والنفسية والاجتماعية.

وفي ظل هذا الوضع الطارئ، تعلو أصوات الساكنة مطالبة بأمرين لا مناص منهما: الأول وقائي، من خلال تجنيد كل الجهات المعنية – من تعليم وصحة وأمن وجمعيات مدنية – لشن حملات توعية مكثفة في المؤسسات التعليمية والأحياء، تشرح حجم الكارثة التي يتعرض لها مستخدمو هذه المادة. والثاني زجري، عبر تدخل حازم لأجهزة الأمن والسلطات المحلية لتجفيف منابع هذه المادة القاتلة، ومراقبة أماكن بيعها، وتطبيق القانون بكل صرامة على كل من يساهم في تسويقها أو ترويجها، لأن المتاجر بصحة وعقول الأطفال لا يمكن أن يكون سوى مجرماً.

الوقت يدق ناقوس الخطر في قلعة السراغنة. إن إنقاذ جيل من براثن “السيلسيون” معركة مصيرية تتطلب إرادة جماعية وحاسمة، قبل أن تتحول المأساة الفردية إلى كارثة اجتماعية يصعب إصلاحها.

شارك المقال
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة