أعوان السلطة… جنود الظل بين واجب الخدمة وهشاشة الوضع الاجتماعي

أعوان السلطة… جنود الظل بين واجب الخدمة وهشاشة الوضع الاجتماعي

نجيب الكركوح

يشتغل أعوان السلطة في صمت، بعيداً عن الأضواء، وفي تماس مباشر مع نبض الشارع اليومي، سواء في القرى النائية أو في الأحياء الحضرية المكتظة. فهم حلقة وصل أساسية بين المواطن ومؤسسات الدولة، يرافقون لجان المراقبة، يساهمون في تنزيل القرارات الإدارية، ويتابعون عن قرب مختلف القضايا المرتبطة بالحياة العامة.

هذا الدور المحوري يجعلهم في واجهة التدخلات الميدانية، خاصة خلال الحملات التحسيسية، ومواكبة عمليات الإحصاء، وضبط المخالفات، وتأمين السير العادي للمرافق المحلية. كما يشكلون دعامة أساسية للسلطات المحلية في تدبير الأزمات والظروف الاستثنائية، حيث يشتغلون خارج الزمن الإداري التقليدي، دون انتظار مقابل إضافي أو تعويض عادل عن الجهد المبذول.

غير أن خلف هذه المهام الحيوية تختبئ هشاشة اجتماعية واضحة. فأجور العديد من أعوان السلطة تظل محدودة، لا تعكس حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم، ولا طبيعة المخاطر التي قد يواجهونها أثناء أداء واجبهم. كما أن غياب نظام أساسي منصف ومتكامل يحدد الحقوق والواجبات بشكل دقيق، يطرح أكثر من علامة استفهام حول وضعيتهم القانونية والمهنية.

وتزداد الصورة تعقيداً مع الحديث عن ضعف التغطية الصحية والتعويضات الاجتماعية، وهو ما يجعل فئة واسعة منهم تعيش نوعاً من القلق المهني والاجتماعي، خاصة في ظل غلاء المعيشة وتزايد متطلبات الحياة اليومية. فكيف يمكن لمن يمثل الدولة ميدانياً، ويسهر على تنفيذ قراراتها، أن يظل في وضعية اجتماعية هشة؟

إن ورش الدولة الاجتماعية، الذي يشكل أحد أبرز الرهانات الوطنية في السنوات الأخيرة، لا يمكن أن يكتمل دون إنصاف هذه الفئة. فبناء الثقة في المؤسسات يبدأ من تحسين أوضاع من يجسدون حضورها اليومي في الأحياء والدواوير. ومن غير المنطقي أن تظل “العين التي تحرس المجتمع” محرومة من أبسط شروط الكرامة والاستقرار.

إن إعادة النظر في وضعية أعوان السلطة، عبر إقرار نظام أساسي عادل، وتحسين الأجور، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، لم يعد مطلباً فئوياً ضيقاً، بل ضرورة مؤسساتية لضمان أداء إداري فعال ومتوازن. فالدولة التي تطمح إلى تعزيز العدالة الاجتماعية مطالبة أولاً بإنصاف جنودها في الميدان.

شارك المقال
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة