تسلطانت.. ومغرب السرعتين

هيئة التحرير12 مارس 2026
تسلطانت.. ومغرب السرعتين


حين تحدث جلالة الملك محمد السادس نصره الله عن مغرب السرعتين، كان يقصد ذلك الواقع الذي تتجاور فيه مشاريع كبرى وخطابات تنموية واعدة مع مناطق تعيش إيقاعا مختلفا تماما، حيث تتعثر الخدمات الأساسية وتتآكل البنيات التحتية وتغيب الاستجابة الفعلية لانتظارات المواطنين، كان التحذير الملكي واضحا: التنمية لا يمكن أن تكون انتقائية، ولا يمكن أن تبنى على تفاوتات مجالية حادة تجعل بعض المناطق تلحق بركب التحديث بينما تظل أخرى أسيرة التأخر.


إن هذا الخطاب الملكي السامي ، يجد اليوم تجسيدا ملموسا في بعض المجالات الترابية ومن بينها جماعة تسلطانت بضواحي مراكش، حيث يبدو المشهد وكأنه ترجمة واقعية لفكرة السرعتين: سرعة في الاجتماعات والتقارير والخطط، وسرعة بطيئة جدا في الواقع الميداني.


قبل أيام، احتضن مقر الولاية اجتماعا ترأسه والي جهة مراكش آسفي لتدارس وضعية التعمير والاستثمار والبنيات التحتية بالجماعة، اجتماع حضرته مؤسسات مهنية وتقنية مهمة: الوكالة الحضرية، المهندسون المعماريون، الموثقون، وممثلو مكاتب الدراسات، في محاولة لإيجاد حلول لإشكالات مرتبطة بتوقيف رخص البناء والضغط العمراني المتزايد على الشبكات الأساسية.


اللغة التي خرج بها الاجتماع كانت تقنية ومنظمة جدا، كما نفتخر جميعا بمخرجات الاجتماع و بالتطلعات المستقبلية: مراجعة تصميم التهيئة، إعداد دراسات طبوغرافية، إحداث لجان مختلطة، وجدولة زمنية للإجراءات، وهي أمور تبدو منطقية في عالم التخطيط العمراني.


لكن السؤال الحقيقي ليس في ما قيل داخل قاعة الاجتماع ولكن في ما يوجد خارجها.
ففي مدخل دوار السلطان، أمام مدرسة ابتدائية يرتادها أطفال المنطقة يوميا، توجد طريق يمكن وصفها دون مبالغة بأنها كارثية، حفر، أتربة، ومقاطع مهترئة تجعل المرور خطرا، خصوصا خلال فترات الأمطار، إنها طريق رئيسية لكنها في الواقع أقرب إلى مسلك قروي من زمن الاستعمار الغاشم.


هنا يتجسد مغرب السرعتين بكل وضوح: سرعة في الاجتماعات والتقارير، وسرعة أخرى بطيئة، بل متوقفة في إنجاز أبسط متطلبات الكرامة المجالية.


والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين دور رئيس جماعة تسلطانت؟ فالجماعات الترابية ليست مجرد هياكل إدارية لحضور الاجتماعات أو التقاط الصور الرسمية، وإنما هي أساسا مؤسسات للتدبير اليومي لمصالح المواطنين، و إصلاح مسالك الطرق المحلية، خاصة تلك المرتبطة بالمؤسسات التعليمية، التي تدخل في صميم هذا الاختصاص.


وهنا يمكن طرح سؤال أكثر وضوحا: ماذا لو تم عرض فيديو يوثق حالة هذه الطريق أمام خلال اجتماع الولاية نفسه، بحضور الوالي وكل المتدخلين؟ ماذا كان سيقال حينها؟


هل كانت ستكفي العبارات التقنية حول تصاميم التهيئة والدراسات الطبوغرافية لتبرير طريق يسلكها الأطفال يوميا في ظروف لا تليق حتى بأبسط المعايير؟


الحقيقة أن الفجوة بين لغة التقارير وواقع الميدان أصبحت اليوم أكبر من أن تخفى، فالتنمية المحلية لا تقاس بعدد الاجتماعات ولا بعدد اللجان، بقدر ما يجب أن تقاس بمدى قدرة المنتخبين على تحويل السياسات العمومية إلى تحسين ملموس في حياة الناس.


إن تسلطانت اليوم تقدم مثالا واضحا لما حذر منه جلالة الملك: ليس فقط مغرب السرعتين بين المدن والقرى، وإنما مغرب السرعتين داخل المجال نفسه؛ حيث يمكن أن تناقش مشاريع عمرانية كبرى في القاعات الرسمية، بينما تبقى طرق أمام المدارس في حالة تثير الاستغراب.


إن التنمية الحقيقية تبدأ أحيانا من تفاصيل بسيطة، طريق معبدة، إنارة عمومية، وصيانة مستمرة للبنيات الأساسية، بدون ذلك سيظل الحديث عن الاستثمار والتوسع العمراني في تسلطانت شبيها بسرعة عالية في الخطاب… وسرعة بطيئة جدا في الواقع.

شارك المقال
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة