في مدينة مراكش، حيث تختلط الحِرف بالتاريخ، تظل مهنة الجزارة واحدة من أقدم المهن التي صمدت أمام تحولات الزمن، محافظة على مكانتها داخل الأحياء الشعبية، وعلى رأسها حي “الماسي”، التي شكلت على مرّ السنين خزّانًا بشريًا لمهنيين راكموا الخبرة جيلاً بعد جيل.
وسط هذا المشهد، برزت عائلة “الكركوح” كواحدة من الأسماء التي ارتبطت بقوة بهذا المجال، منذ البدايات الأولى بحي “الماسي”، حيث وضع الجد حمو الكركوح اللبنة الأولى لمسار مهني قائم على الثقة والانضباط. ولم يقتصر تميّزه على الجزارة فقط، بل اشتهر أيضًا بإتقانه لفن الشواء التقليدي تحت الأرض، وهي حرفة دقيقة توارثها الأبناء جيلاً بعد جيل.

بعده، حمل الابن محمد بن حمو الكركوح المشعل، فعمل على ترسيخ مكانة العائلة داخل سوق الجزارة، مع الحفاظ على تقاليد الشواء التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من هوية العائلة، مما ساهم في توسيع قاعدة الزبناء وتعزيز الثقة في اسم “الكركوح”.
واليوم، يبرز اسما كمال وخالد الكركوح كامتداد طبيعي لهذا الإرث العائلي.
الأخوان، اللذان اختارا السير على خطى والدهما وجدهما، لم يكتفيا بالحفاظ على المهنة، بل عملا على تطويرها بأسلوب حديث دون التفريط في أصولها، حيث يجمعان بين الجزارة وفن الشواء التقليدي الذي ورثاه عن العائلة. وبحضور يومي داخل محليهما بمنطقة سيدي أيوب، استطاعا أن يرسّخا اسميهما كوجهين معروفين في هذا المجال.

وبفضل خبرتهما المتراكمة، والتزامهما بقيم الجودة والصدق في التعامل، نجح كمال وخالد في كسب ثقة الزبناء، ليشكّلا معًا امتدادًا حيًا لذاكرة مهنية عريقة ضاربة في عمق المجتمع المراكشي.

في زمن تتغير فيه المهن وتندثر أخرى، يواصل كمال وخالد الكركوح كتابة فصل جديد من حكاية عائلية بدأت من “الماسي”، وما تزال مستمرة بسيدي أيوب… حكاية عنوانها الوفاء للمهنة، والتمسك بالجذور، والحفاظ على تقاليد أصيلة تجمع بين الجزارة وفن الشواء تحت الأرض.
رحم الله الفقيدين حمو الكركوح ومحمد بن حمو الكركوح، وأسكنهما فسيح جناته، وتغمدهما بواسع رحمته، وجعل ما قدّماه من عطاء مهني وإنساني في ميزان حسناتهما، وألهم ذويهما الصبر والسلوان.

















