عذرا توفلة.. ما نيل المقاعد البرلمانية بالتمني

هيئة التحرير21 مارس 2026
عذرا توفلة.. ما نيل المقاعد البرلمانية بالتمني

لم يكن المقال السابق مجرد قراءة سياسية عابرة للمشهد السياسي المحلي ، وإنما شكل ارتجاجا حقيقيا داخل المشهد السياسي بدائرة المنارة التشريعية وخاصة داخل أرجاء حزب اللامبة نفسه حيث هم البعض إلى همس الخبر في أذن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية السيد عبد الإله بنكيران من أجل استعمال الفيتو مجددا، ونتأسف أنه أعاد تحريك مياه راكدة واستدعى مواجع تنظيمية قديمة لم تندمل بعد عشر سنوات من الزمن السياسي، فالمقال أعاد طرح أسئلة أساسية حول منطق تدبير الترشيحات فيمن يظنهم البعض ملائكة منزهون، كما وضع الأصبع على جرح كل حزب على حدة وذلك ليس لتبيين مكامن الضعف ولكن لاستثمار الزمن السياسي المتبقي لإصلاح الأعطاب التنظيمية، حيث جعل النقاش حول الانتخابات القادمة أكثر تعقيدا ولبسا، لأن الفاعل السياسي بطبعه يتآكل إذا كانت الساحة السياسية فارغة من أي منافسة قد تهدد مقعده الانتخابي.


بين ليلة وضحاها وصل إلى مسامعنا عن استحالة منح التزكية الانتخابية للأستاذ عمر بنيطو واستدعاء المتاريس لقطع الطريق أمامه، لسبب واحد لا غير وهو مخافة نيله المقعد البرلماني و كسبه قوة تنظيمية داخل الحزب التي ستعصف لامحالة بحراس المعبد القديم الذين عمروا طويلا داخل هياكل الحزب مانعين الشباب من التقدم إلى السدة التنظيمية للحزب بمدينة مراكش إلا إذا كان أحدهم من المقربين والمنتسبين، وعليه نبشر الإخوة داخل حزب المصباح بالآتي:

قال أمير الشعراء أحمد شوقي: ما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا، فتحديد الفاعلين السياسيين الذين لهم الحضوض الكبرى في دائرة المنارة لا يمكن أن يقوم على التمني أو الانطباع السطحي، وإنما يستلزم تحليل المعطيات الواقعية والأرقام الدقيقة التي أنتجتها انتخابات 2021، وذلك لفهم التوزيع الفعلي للنفوذ السياسي بين المجال الحضري والمجال القروي، وتقدير قدرة كل فاعل سياسي على تحويل قاعدة انتخابية إلى قوة سياسية مستدامة، فالانتخابات في دائرة المنارة ليست مجرد سباق على الأصوات، بقدر ما هي صراع معقد على إدارة النفوذ الحزبي وتحالفاته، ولفهم هذا التجاذب السياسي يتطلب قراءة دقيقة لكل كتلة انتخابية، لكل تحالف محلي، ولكل امتداد تنظيمي على الأرض.


تكشف نتائج انتخابات 2021 عن توزيع معقد للكتل الانتخابية، حيث يظهر الدكتور عبد الواحد الشفاقي رئيس مجلس مقاطعة المنارة كفاعل قادر على تحقيق توازن نادر بين المجال الحضري والقروي، فقد حصل على 8212 صوت في مقاطعة المنارة وحوالي 9000 صوت في المجال القرى التابع للدائرة، ما يعكس قدرته على اختراق بنيتين انتخابيتين مختلفتين، واستثمار موقعه الجديد كرئيس للمقاطعة لسيساعد على تعزيز نفوذه السياسي واستقطاب عناصر جديدة خصوصا من أحزاب مختلفة وكذا فعاليات مدنية مستفيدا من أن تسييره لمقاطعة المنارة سيستمر عاما إضافيا بعد الانتخابات التشريعية، و إن كنا تطرقنا إلى وجوب استمرار دعم رئيس جماعة سعادة له فهو معطى حقيقي لأن الأخير سيضمن له حوالي 3000 صوت، وعلى العموم فاستمرار دعم عبد الرحيم لعميم للشفاقي هي دعم لعميم لنفسه فترك المجال فارغ سيستغله نائبه كريم عبدون من أجل تهييئ الساحة السياسية للانتخابات الجماعية ..

تتركز قوة الدكتور طارق حنيش في الجماعات القروية حيث حصل على أكثر من 14,000 صوت مقابل 7198 صوت في مقاطعة المنارة، قوته في المجال القروي واضحة، و على حسب معطياتنا حافظ على تواصله الجيد والمباشر والمستمر مع التنظيم الحزبي في جميع الجماعات 6 المكونة للمجال القروي (عكس استعماله للوساطة في مقاطعة المنارة والتي لم تكن في مستوى الثقة التي وضعت فيها..) وكون أنه أمين جهوي للحزب والانتخابات الجماعية لا تتقاطع مع الانتخابات التشريعية فكل الأعضاء الحزبيين سيسعون إلى اكتساح انتخابي في جماعاتهم ليضمنوا لأنفسهم أرضية انتخابية سهلة في الانتخابات الجماعية في العام القادم، وفي ضوء هذا المعطى الاستراتيجي سيدخل الدكتور طارق حنيش المنافسة الانتخابية بأريحية كبيرة، وهذا سيساعده على إعادة بناء البنية التنظيمية للحزب داخل أرجاء مقاطعة المنارة، كما أن الانتخابات البرلمانية ستكون فرصة لإختبار قوة كل عنصر في مجاله الانتخابي و التنافس لضمان رتبة جيدة في لائحة الحزب الجماعية، ومن المرجح أن يستقطب الدكتور طارق حنيش كادرا سياسيا لمنحه مفاتيح مقاطعة المنارة مستقبلا ..


وهنا سنفتح قوسا، فبما أن مقاطعة المنارة مقبلة على مراجعة التقسيم الترابي لها فالأوجب على كل من الدكتورين طارق حنيش و عبد الواحد الشفاقي ألا يدخلا في تجادبات سياسية فارغة، فمعروف لدى الجميع أن قوة البام ستترسخ في مقاطعة المحاميد المستقبلية وبينما قوة الأحرار ستعزز بمقاطعة الحي الحسني، والعمل بينهما في إطار من التكامل والتنسيق هو الخيار الأفضل فكسب مقعد على حساب الآخر لن يتأتى لأي منهما في دائرة تفرز ثلاث مقاعد برلمانية..

يظهر البرلماني عبد الرزاق أحلوش قوة واضحة في المجال القروي، حيث حصل في القرى التابعة لدائرة المنارة على نحو 13000 صوت خلال انتخابات 2021، مقابل 2850 صوتا فقط في مقاطعة المنارة، ما يعكس تمركزه الاستراتيجي في المجال القروي وقدرته على التحكم في الكتلة التصويتية الأكبر، خلال السنوات الخمس الماضية استطاع أحلوش استقطاب أغلب العناصر والمتعاطفين السابقين مع حزب العدالة والتنمية الذي حصل هذا الأخير في مقاطعة المنارة على 3414 صوتا فقط وفي الدائرة كلها على 7137 صوتا، بما يؤكد أن أحلوش امتص قاعدة البيجيدي المتينة واستثمر غياب البيجيدي على الأرض، ومن هنا فالرهان الاستراتيجي لأحلوش واضحا وهو الحفاظ على تركيز جهوده في المجال القروي الذي شكل الأساس الحقيقي لقوته الانتخابية، مع تجنب تشتيت جهوده بين المجال الحضري والقروي، إذ إن محاولة تغطية النطاق الحضري قد تقلل من فعالية استثماره للقاعدة التقليدية وتفتح المجال أمام منافسين قادرين على استغلال نقاط الضعف…
وعليه، وتأسيسا لما سبق، قضي الأمر الذي تستفتيان فيه، فالمقاعد الثلاثة لدائرة المنارة التشريعية محجوزة مسبقا بالأسماء المذكورة أعلاه ، وحتى لو رشح الأستاذ عبد الإله بنكيران نفسه في هذه الدائرة الانتخابية بدل دائرة سلا.
إن الرهان على الأستاذ عمر بنيطو بدل الأستاذ محمد توفلة كان عن قراءة عميقة للتوازنات التنظيمية والقدرة على تعبئة القاعدة الانتخابية في دائرة المنارة، فالأستاذ بنيطو يتمتع برصيد رمزي وسياسي متجذر داخل الحزب، مستمد من مساره الطويل كمناضل محلي وشخصية حقوقية معروفة، ما منحه مصداقية متواصلة لدى المناضلين القدامى والشباب على حد سواء، هذا الرصيد قلنا أنه يتيح له استعادة الثقة بين الفاعلين المحليين الذين شهد حضورهم تراجعا بعد استبعاده في انتخابات 2016، ويجعله قادرا على تعبئة القواعد القديمة وهذا ما لا يستطيع فعله الأستاذ محمد توفلة، ولأن الجيل القديم حسب تفكيرهم أن ضياع مقعد برلماني من الحزب أرحم من منح رقابهم السياسية لبنيطو، لهذا سيتوجب على الأستاذ بنيطو الانتظار حتى يتيح السياق الطبيعي رحيل هؤلاء القدامى أو تنحيهم من تلقاء أنفسهم، ما يفتح له المجال بعد ذلك للانطلاق دون اصطدام مباشر بمصالحهم..


إن عار الكولسة المفبركة و استمراره في الزمان والمكان يكشف بجلاء عن ازدواجية مدهشة بين الخطاب الأخلاقي المعلن والواقع العملي على الأرض، فالحزب الذي يفاخر بتقديم نفسه كرمز للديمقراطية الداخلية والالتزام بالقيم التنظيمية، يظهر في الواقع وكأنه يختبئ وراء مساحيق تجميل سياسية زائفة، تهدف إلى تغطية ما يعتري ممارساته من مصالح شخصية، صراعات نفوذ، وتوافقات انتهازية مع الفاعلين القدامى، هذه الاستراتيجية المعمول بها تمنح الحزب صورة مصقولة أمام الرأي العام لكنها تخفي بشاعة الممارسة السياسية الفعلية التي تتسم أحيانا بالديكتاتورية والهيمنة على القرار الداخلي، وتهميش الطاقات الحقيقية داخل التنظيم، وهكذا يصبح الخطاب الأخلاقي مجرد قناع يخفي النزاعات والمطامح الحقيقية، ويطرح سؤالا حقيقيا حول قدرة أي حزب على مزج الممارسة الديمقراطية الحقيقية مع الحفاظ على المصداقية الأخلاقية، إن العدالة والتنمية مثل كثير من الأحزاب الأخرى يؤكد على أن الاختبار الحقيقي لأي تنظيم سياسي يكمن في قدرته على العمل بشفافية وفعالية خارج التبجح والخطاب الجميل.

شارك المقال
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة