خليل بولحسن صوت مراكش في قبة البرلمان المغربي

خليل بولحسن صوت مراكش في قبة البرلمان المغربي


شكلت جائحة كوفيد-19 لحظة مفصلية في تاريخ المدينة بالنظر إلى طبيعتها الاقتصادية القائمة أساسا على السياحة والخدمات، حيث أدت تداعيات هذه الأزمة إلى شلل شبه تام في الحركة الاقتصادية، وتضررت فئات واسعة من المهنيين والعمال، ما عمق الهشاشة الاجتماعية، وطرح أسئلة حقيقية حول نجاعة السياسات العمومية في الاستجابة السريعة للأزمات.

ولم تكد المدينة تستعيد جزءا من توازنها، حتى جاء زلزال الحوز 2023 ليعيد ترتيب أولوياتها بشكل قسري، حيث تضررت أحياء ومجالات مجاورة، وبرزت الحاجة إلى تدخلات عاجلة على مستوى الإغاثة ثم على مستوى إعادة الإعمار والدعم الاجتماعي، والتأهيل المجالي، وقد أبانت هذه المحطة عن أهمية الوساطة السياسية الفعالة القادرة على التنسيق بين الدولة والمجتمع وعلى نقل انتظارات الساكنة بشكل دقيق ومسؤول إلى القبة التشريعية.


لقد تأكد لنا جميعا حينئذ أن مراكش لم تعد في حاجة إلى تمثيلية شكلية وإنما إلى صوت سياسي مؤهل من أمثال هشام المهاجري و عبد الله بوانو، سياسي يمتلك القدرة على الترافع المؤسساتي، وعلى تحويل المعاناة الاجتماعية إلى ملفات تشريعية وسياسات عمومية ملموسة، فالأزمات بطبيعتها لا تفرز لنا الاختلالات فقط و إنما تكشف أيضا عن نوعية الفاعلين السياسيين القادرين على مواكبتها وتأطير تداعياتها.


إن الحاجة إلى صوت صادق داخل قبة البرلمان هي ضرورة حتمية تفرضها طبيعة المرحلة، صوت يشتغل على إنتاج المعنى السياسي للتمثيلية، من خلال التفاعل المستمر مع قضايا المدينة، والانخراط الجدي في الدفاع عنها داخل المؤسسات.


وهنا نطرح اسم خليل بولحسن كأحد النماذج المحلية التي راكمت تجربة ميدانية تجعلها مؤهلة للانتقال من منطق التدبير الجماعي المحلي إلى أفق التمثيلية الوطنية، فالرجل بصفته مستشارا جماعيا لم يكن يوما مجرد فاعل سياسي داخل دواليب الجماعة وإنما صوت مراكشي حقيقي ترافعي قريب من نبض المجتمع، مستندا إلى معرفة دقيقة بملفات المدينة وإلى قدرة كبيرة على تحويل الإشكالات اليومية إلى قضايا عمومية قابلة للنقاش والتأطير.

فالكل يشهد أن بولحسن يتميز بخطابة سياسية رصينة، لا تقوم على البلاغة الفارغة، وإنما على بناء حجاجي متماسك يستند إلى معطيات دقيقة وتحليل واقعي، فهو ابن البلاغة الأكاديمية التي سقلها سياسيا، كما أن قدرته على ضبط المعلومات تجعله فاعلا قادرا على تقديم مواقف متزنة، بعيدة عن الارتجال وقريبة من منطق المسؤولية.


إلى جانب ذلك، تبرز الجرأة السياسية كأحد ملامح شخصيته، حيث تعكس مواقفه نوعا من الاستقلالية في اتخاذ القرار مقرونة بأنفة سياسية تحافظ على كرامة الفعل السياسي، دون الانزلاق إلى الشعبوية أو المزايدات، هذه الخصائص إلى جانب تراكمه السياسي في التدبير المحلي جعلت منه صوتا صادحا باسم مراكش والمراكشيين، قادرا على نقل قضاياهم بصدق وفعالية.


إن المتتبع الصادق للشأن السياسي المراكشي يقر أن بولحسن لم يحظ دائما بما يستحقه من إنصاف سياسي، إذ ظل في محطات عدة بعيدا عن نواة القرار المحلي كرئيس مقاطعة أو نائب عمدة وسنتجاوز التفصيل في الإنقلاب الناعم الذي تعرض إليه في 2016 لكي لا ننعت أننا نستهدف أحدا، رغم توفره على مقومات لا تتوفر عند السياسيين الحاليين أو السابقين مع احترامنا للجميع، وهو ما يطرح مرة أخرى إشكالية العلاقة بين الكفاءة والاستحقاق داخل الحقل السياسي.


إن كلامنا اليوم ليس موجها إلى تنظيم سياسي بقدر ما هو موجه إلى ضمير تاريخي متجذر في وجدان الحركة الوطنية، ضمير أبناء مدرسة علال الفاسي، التي لم تكن يوما مجرد إطار حزبي بقدر ما كانت مشروعا فكريا وأخلاقيا يقوم على ربط التمثيلية بالاستحقاق.

إن استحضار هذا الإرث هو من منطلق الحاجة إلى إعادة تفعيل قيمه في لحظة سياسية دقيقة، حيث لم يعد مقبولا أن تختزل التزكيات في عدد أرقام أرصدة البنوك، أو أن يتم تجاوز كفاءات ميدانية راكمت تجربة حقيقية في خدمة الشأن العام، فمدرسة علال الفاسي في جوهرها هي مدرسة للإنصاف قبل أن تكون مدرسة للانتماء، وللاستحقاق قبل أن تكون آلية للضبط التنظيمي.
ولا نريد أن نضع التجربة التمثيلية الحالية لحزب الاستقلال بدائرة جليز في ميزان مختبرنا، لأن المؤسسات نفسها كفيلة بإصدار الحكم، فموقع البرلمان بما يتضمنه من معطيات دقيقة حول عدد الأسئلة الشفوية والكتابية، يقدم مؤشرا موضوعيا لقياس الأداء، والواقع بدوره يؤكد ذلك بالملموس، بعيدا عن كل خطاب تبريري أو تأويلي.

إن دعوتنا في المقالات السابقة إلى إنصاف الكفاءات المحلية إنما مبتغانا فيها هو إعادة الاعتبار لمنطق الاستحقاق داخل العملية السياسية، فخليل بولحسن بما راكمه من تجربة وبما يمتلكه من قدرة على الترافع يمثل نموذجا للفاعل السياسي الذي يستحق أن يمنح فرصة التعبير عن هذا التراكم الاستثنائي داخل المؤسسة التشريعية.
Le master7

شارك المقال
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة