قراءة تحليلية في أهمية السياق الزمني والحضور عند إفتتاح الأوراش الملكية.. مشروع مدينة المهن والكفاءات بتامنصورت أنموذجا

قراءة تحليلية في أهمية السياق الزمني والحضور عند إفتتاح الأوراش الملكية.. مشروع مدينة المهن والكفاءات بتامنصورت أنموذجا

تشكل المشاريع الملكية في المغرب العمود الفقري للبناء التنموي للمملكة المغربية الشريفة، باعتبارها تعبيرا عن اختيارات استراتيجية عليا تتجاوز منطق البرامج القطاعية العادية نحو منطق الأوراش المهيكلة ذات الامتداد الوطني، فالمشروع الذي يطلق في إطار التوجيهات الملكية السامية يكتسب قيمة مؤسساتية مضاعفة لأنه يرتبط مباشرة بالرؤية الملكية الرشيدة التي يحددها جلالة الملك محمد السادس باعتبار جلالته ضامنا لوحدة الدولة واستمرارية توجهاتها الكبرى، وعليه فإن قيمة هذه المشاريع لا تنحصر في الأرقام كحجم الاعتمادات المالية المرصودة لها أو عدد المستفيدين منها ولكن تتجاوز ذلك إلى بعدها المؤسساتي، فهي تعد اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على العمل بانسجام بين مختلف مستوياتها، من مستوى التنسيق الإداري إلى مستوى التنفيذ الميداني.

فكل مشروع ملكي يشكل لحظة تفاعل بين القطاعات الحكومية، والسلطات الترابية، والمؤسسات العمومية والمجالس المنتخبة، وهو ما يجعل نجاحه مرتبطا بمدى وضوح الأدوار وتكاملها، كما أن لحظات التدشين والتنزيل لا تكون مجرد مناسبات بروتوكولية بقدر ما أنها تعكس صورة الدولة في بعدها المتكامل.

وفي هذا السياق، يندرج مشروع مدينة المهن والكفاءات بتامنصورت باعتباره ورشا ملكيا لإصلاح منظومة التكوين المهني الذي تم إعطاء انطلاقته ضمن رؤية استراتيجية تروم إعادة هيكلة العلاقة بين التكوين وسوق الشغل وتعزيز قابلية تشغيل الشباب، ونظرا لكون المشروع ذا مرجعية ملكية واضحة فإن لحظة افتتاحه تكتسب دلالة عميقة تعكس مدى التماسك المؤسساتي في تنزيل السياسات العمومية على المستوى الترابي.

غير أن متابعة مشهد الافتتاح تكشف غيابا واضحا لكل من والي جهة مراكش أسفي، و رئيس مجلس جهة مراكش أسفي، ورئيسة مجلس عمالة مراكش، وهو معطى لا يمر دون دلالة خاصة حين يتعلق الأمر بمشروع استراتيجي ذي بعد ملكي، فهذه اللحظات لا تكون مجرد محطة بروتوكولية وإنما تعكس درجة التنسيق والتكامل بين مختلف الفاعلين الترابيين والمؤسساتيين.

فالوالي بصفته الإدارية والقانونية ممثلا للسلطة المركزية على المستوى الترابي يضطلع بدور محوري في تنسيق عمل المصالح اللاممركزة وضمان انسجام تدخلاتها وبصفته العرفية ممثلا لصاحب الجلالة في الجهة ، ورئيس الجهة يجسد الشرعية الديمقراطية في الجهة باعتباره منتخبا مسؤولا عن إعداد وتنفيذ السياسات الجهوية وبرامجها، أما رئيسة عمالة مراكش فتؤدي دورا أساسيا في تدبير الشأن الترابي على مستوى العمالة.

وترسيخا لما سبق، فالأهمية العظمى التي يكتسيها هذا المشروع تتجلى في حرص جلالة الملك محمد السادس على تدشين مدينة المهن والكفاءات بتامسنا يوم 30 ماي 2023، بما يعكس مكانة هذا المشروع ضمن الأوراش الاستراتيجية للدولة، ووفاء لهذا المنطق وتماشيا مع الرؤية الملكية قام والي جهة الداخلة وادي الذهب بترأس افتتاح مدينة المهن والكفاءات الداخلة وادي الذهب يوم 6 نونبر 2025، في تجسيد لدور السلطة الترابية في مواكبة تنزيل هذا الورش الملكي على المستوى الجهوي.

وعليه، فغياب والي جهة مراكش أسفي ومعه رئيس مجلس الجهة و رئيسة مجلس عمالة مراكش في مناسبة من هذا النوع وبالمقابل حضور يونس السكوري وزيرالإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، ومعه رئيس الاتحاد المغربي للشغل يثير عدة أسئلة جوهرية أهمها سؤال التكامل المؤسساتي للمشروع أثناء افتتاحه، فالمشاريع الملكية بحكم رمزيتها تستوجب حضورا يعكس وحدة الدولة في بعدها المركزي والترابي معا، لأن الرسالة الأساسية التي ينبغي أن تصل إلى الرأي العام هي أن المشروع يمثل التزاما جماعيا لا يرتبط بقطاع بعينه وإنما بمنظومة حكامة ترابية متكاملة، وعندما يغيب التمثيل الترابي الوازن قد يفهم الأمر على أنه نقص في الالتقائية بين الرؤية الوطنية والتنزيل الجهوي حتى وإن كان السبب ظرفيا أو تنظيميا.

ومن هنا يمكن التأكيد على أن قوة المشروع الملكي لا تتوقف فقط عند مرجعيته العليا وإنما أيضا من الطريقة التي يجسد بها حضور الدولة في تفاصيله التنفيذية، فتكامل الحضور الإداري والسياسي في لحظة الافتتاح يعزز الثقة العمومية، ويؤكد أن المشروع جزء من سياسة منسجمة تتقاسمها مختلف مستويات القرار، أما غياب الفاعلين الترابيين الرئيسيين فيقلل من قوة الإشارة الرمزية التي يفترض أن ترافق مشاريع ملكية بهذا الحجم، خصوصا بعد مرحلة عرفت تعثرا في الإنجاز، وهو ما كان يستدعي لحظة افتتاح تعبر عن استعادة الانسجام المؤسسي، في إشارة واضحة إلى أن الدولة بمؤسساتها كافة ملتزمة بإنجاحه.

وعليه، فإن النقاش لا يهدف إلى التشكيك في أهمية المشروع أو في قيمته الاستراتيجية لدى أي فاعل ترابي أو سياسي، وإنما نسعى إلى إبراز أن المشاريع ذات الأصل الملكي تكتسب قوتها الكاملة عندما يترجم بعدها الوطني إلى مشهد مؤسساتي موحد ومتكامل، فالتنمية في بعدها الحديث تقوم على التكامل، والتكامل يتطلب حضورا متناغما يكرس صورة وحدة الدولة في المشهد العام ويعزز الثقة في مسار تنزيل الأوراش الكبرى.

غير أن قراءة المشهد لا تكتمل عند حدود تحليل الحضور المؤسساتي فقط، إذ إن لحظة الافتتاح لا تبنى على الأشخاص فحسب ولكن تتجاوزها إلى مستوى السياق العام الذي يحتضنها، ومن ضمنه البعد الزمني الذي يؤطر الحدث، فالزمن في مثل هذه الأحداث ليس مجرد تاريخ يدرج في الأجندة وإنما عنصر يحمل شحنة دلالية قد تعزز دلالة المشروع أو تضيف إليه أبعاد تفسيرية عميقة.

إن برمجة افتتاح المشروع في تاريخ 20 فبراير تمنح الحدث حمولة زمنية ذات دلالة خاصة بالنظر إلى ما يحمله هذا التاريخ في الذاكرة السياسية الوطنية من ارتباط بمحطة احتجاجية إنساقت مع سياق إقليمي (تفرد فيها المغرب بنموذج استثنائي عزز تلاحمه التاريخي)، وحيث أن الزمن لا يختزل في كونه معطى تقنيا يدرج في الرزنامة الرسمية، فهو يشكل عنصرا مؤثرا في بناء المعنى وصياغة صورة الحدث، كما يرسم الإطار الذي تتحدد داخله قراءاته وتأويلاته، وعليه فإن برمجة افتتاح ورش ملكي في تاريخ يحمل هذه الحمولة الرمزية يثير تساؤلا كبيرا حول مدى استحضار البعد الدلالي في تدبير المواعيد الرسمية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمشروع ذي مرجعية ملكية يفترض فيه وضوح الرسالة وانسجام الصورة.

وفي ضوء ذلك، يمكن اعتبار هذا المعطى الزمني منعطفا تفسيريا لقراءة مشهد الافتتاح، فقد يكون تزامن الحدث مع تاريخ ذي حساسية سياسية عاملا مؤثرا في تقدير بعض المسؤولين لكلفة الحضور الرمزية، تفاديا لأي تأويل قد يربط بين الدلالتين أو يزاحم البعد التنموي للمشروع بسياقات سياسية سابقة، فالمسؤول الترابي بحكم موقعه لا يدبر الوقائع فحسب، وإنما يدبر أيضا رمزية المشاركة وحدود قراءتها في الفضاء التواصلي.

ومن ثم فإن مسؤولية الجهة التي تولت تحديد الموعد تتعدى الاعتبارات التنظيمية والإجرائية إلى عدم استحضار الأثر المعنوي للزمن في بناء المشهد المؤسساتي، فحسن تدبير زمن الحدث جزء من هندسة الصورة الرسمية للدولة، وكل اختيار زمني في مشروع استراتيجي يحمل في طياته رسالة ضمنية، ولو أخذ هذا البعد بعين التقدير الدقيق لكان بالإمكان تحصين لحظة الافتتاح من أي لبس تأويلي، وبذلك ضمان حضور مؤسساتي يكرس انسجام المشروع مع مقاصده التنموية الأصيلة.

إن استحضار المسار المهني للوالي خطيب الهبيل يضيف بعدا تفسيريا ضروريا لقراءة المشهد، ذلك أنه سبق له حين كان واليا على جهة بني ملال خنيفرة أن أشرف على افتتاح مدينة المهن والكفاءات بني ملال، في محطة جسدت انخراطه وإشرافه المباشر في تنزيل هذا الورش الملكي، وهذا المعطى يؤكد أن الرجل ليس غريبا عن فلسفة المشروع ولا عن رهاناته الاستراتيجية، وإنما التجربة التي راكم والتي أنضجت حنكته الإدارية وقدرته على تقدير السياقات وتوازناتها في ما يتصل بتمثيل صورة الدولة رسخت فرضية وعيه بدلالة زمن الإفتتاح ورمزيته، ثم إن أبناء الإدارة الترابية يتلقون تكوينا متكاملا يقوم على استيعاب عميق لدلالات الزمن السياسي ورمزيته، إذ لا ينظر إلى الحدث في بعده الإجرائي فحسب وإنما في أبعاده الرمزية وتأثيراته على مستوى المشهد العام، فوزارة الداخلية باعتبارها تتميز بذاكرة قوية وأرشيف أقوى، تحرص جيدا على أن تدرس لأبناءها كيفية قراءة السياقات وتقدير الكلفة الرمزية للحضور أو الغياب، وضبط التوازن بين مقتضيات البروتوكول ومتطلبات صورة الدولة، ومن ثم فإن أي قرار يتعلق بالمشاركة في أي مناسبة لا يكون قرارا معزولا عن هذا الوعي المؤسساتي المتراكم .

والأهم من كل ما ذكرناه أن الوالي خطيب الهبيل لم يكتف فقط بعدم حضور لحظة التدشين ولكن حول نفس اليوم إلى محطة فعل مؤسساتي داخل المجال الترابي ذاته في رسالة عميقة الدلالة، حيث ترأس اجتماع اللجنة التقنية المحلية لدراسة مشروع تصميم تهيئة مدينة تامنصورت ومحيطها، أي حرص على الاشتغال على الإطار البنيوي الذي سيؤطر نفس المشروع ويضمن انسجامه المجالي على المدى البعيد، وهذا يحيلنا على الدور الكبير الذي أصبحت تضطلع به وزارة الداخلية بتفويض ملكي واضح من خلال اختصاصات استراتيجية في تنزيل وتتبع عدد من الأوراش الكبرى، بما يجعل فعل السلطة الترابية جزءا أصيلا من منطق الدولة في التخطيط وضمان تنزيل الرؤية الملكية.

في المقابل، يبدو أن الوزير يونس السكوري رغم ما يعرف عنه من نباهة سياسية فقد وقع في حالة شرود من خلال تقدير خاطئ يتجلى في مستويين إثنيين: أولهما إدخال عنصر نقابي بعينه في ورش ذي مرجعية ملكية يفترض فيه أن يظل بعيدا عن حسابات التوازنات المرتبطة بموسم فاتح ماي أو أي اصطفاف نقابي ظرفي، وثانيهما اختيار توقيت ذي حمولة رمزية قد يفتح باب القراءات المتعددة خلافا لأعراف تنظيمية درجت على تحييد مثل هذه الأوراش عن أي التباس كيفما كان نوعه.

وللإشارة، فالوزير يونس السكوري لم يبادر إلى حدود الساعة إلى نشر هذا الحدث عبر صفحته الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي خلافا لما درج عليه في مناسبات مماثلة، علما أن هذا التحليل صيغ بتاريخ 21 فبراير .

وختاما، يبقى هذا التحليل مجرد اجتهاد منا في مقاربة مشهد حاولنا تفكيك دلالاته كما بدت لنا، وهو قراءة تحتمل الصواب كما تحتمل الخطأ، فإن أصبنا فلأن الوقائع أسعفت التأويل، وإن أخطأنا فحسبنا أننا سعينا إلى تنطيق المشهد وربط خيوطه في إطار نقاش هادئ حول دلالات الصورة وتقاطعاتها.

شكرا لجريدة جامع الفنا بريس على النشر

Betchi :بقلم

شارك المقال
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة