يندرج التدخل الأمني الذي شهدته مدينة قلعة السراغنة بتاريخ 28 مارس الجاري، من خلال تعبئة ميدانية قادتها مصالح ولاية أمن مراكش، باعتباره امتدادا طبيعيا لاستراتيجية أمنية راسخة ترتكز على دعم الوحدات الأمنية وتعزيز حضورها الميداني، وقد تجسد هذا التوجه في تجارب سابقة، حين تم اعتماد نفس المقاربة على مستوى مدينة مراكش عبر دعم المناطق الأمنية، وهو ما يؤكد أن ما نشهده اليوم هو ترجمة ميدانية لمسار استراتيجي متكامل ذي أثر إيجابي ملموس على مستوى تعزيز الإحساس بالأمن وتطوير الأداء العملياتي.
ويكتسي هذا المسار بعدا مؤسساتيا واضحا باعتباره يندرج ضمن التوجهات الاستراتيجية للمديرية العامة للأمن الوطني بإشراف مباشر من المدير العام عبد اللطيف حموشي، والذي أشرف بشكل مباشر على تطوير هذه المقاربة القائمة على النجاعة، والتحديث، والاستباق، فالتدبير الأمني اليوم لم يعد عملا جزئيا وإنما أصبح رؤية متكاملة تترجم من خلال تعبئة الموارد، وتوحيد الرؤى، وإرساء آليات دعم جهوي فعالة تضمن الاستجابة السريعة والفعالة لمختلف التحديات الأمنية.
إن هذا التدخل يترجم في بعده العملي انتقال العمل الأمني من منطق التجزيء إلى منطق التكامل، حيث لم يعد تدبير الشأن الأمني محصورا في الحدود الترابية الضيقة ولكن أضحى يقوم على تعبئة متعددة المستويات تتيح تجاوز محدودية الإمكانات المحلية عبر آليات الدعم الجهوي، فحضور فرق متخصصة إلى جانب تكثيف الدوريات الراجلة والراكبة واستهداف النقط السوداء يعكس اعتماد مقاربة استباقية تروم التحكم في الفضاءات المنتجة للجريمة بدل الاكتفاء بمعالجة نتائجها، وهو ما يشكل تحولا جوهريا في فلسفة التدخل الأمني.
ولا يمكن فصل هذه الدينامية عن الدور الذي رسخه والي الأمن محمد مشيشو والذي يرتكز على ثلاثية مترابطة قوامها النجاعة العملياتية، والقرب من المواطن، والاستباقية في مواجهة المخاطر، فالتدخل السريع والدعم اللوجستيكي يعكسان قدرة المؤسسة الأمنية على تعبئة مواردها بشكل مرن وفعال، بينما يترجم الانتشار الميداني المكثف حرصها على تكريس القرب وتعزيز الثقة، في حين يجسد استهداف الظواهر الإجرامية قبل تفاقمها البعد الاستباقي الذي أصبح سمة مميزة للعقيدة الأمنية الحديثة بالمغرب.
غير أن القراءة الموضوعية لهذا التدخل تقتضي استحضار التراكم المحلي الذي مهد له، إذ لا يمكن اختزال الدينامية الأمنية التي تعرفها قلعة السراغنة في هذا الحدث وحده، فمنذ سنة 2021 عرفت المنطقة الأمنية تحولا ملحوظا في الأداء، تحت إشراف المراقب العام عبد الواحد المازوني الذي اعتمد مقاربة مهنية تقوم على التوازن بين الصرامة في تطبيق القانون والانفتاح على المحيط المجتمعي، وقد أفضى هذا التوجه إلى تحقيق نتائج ملموسة على مستوى محاصرة بؤر الجريمة وتعزيز الإحساس العام بالأمن، مما يؤكد أن الدعم الجهوي الأخير يشكل امتدادا طبيعيا له وإضافة نوعية تعزز مكتسباته.
ومع ذلك، فإن تحقيق الأمن في بعده الشامل لا يمكن أن يظل رهينا فقط بالنجاعة العملياتية للمؤسسة الأمنية، مهما بلغت من تطور واحترافية، إذ إن الجريمة ليست مجرد فعل معزول بقدر ما هي نتاج لبنيات اجتماعية واقتصادية وثقافية متداخلة، ومن هذا المنطلق يبرز المجتمع المدني كفاعل محوري في معادلة إنتاج الأمن، ليس بوصفه بديلا عن الدولة، ولكن كشريك استراتيجي في إطار ما يعرف بالأمن التشاركي، فالأدوار التي يمكن أن تضطلع بها الجمعيات والفعاليات المحلية تتجاوز حدود التحسيس التقليدي، لتشمل المساهمة في الوقاية الاجتماعية من الانحراف، وتأطير الفئات الهشة، ومواكبة الشباب المعرض لمخاطر الانزلاق نحو الجريمة، فضلا عن تعزيز قنوات التواصل بين المواطن والمؤسسة الأمنية، وهو ما يدعم فعالية التدخلات الأمنية ويمنحها بعدا استباقيا أعمق، فالمقاربة التشاركية بهذا المعنى تؤسس لنموذج جديد في الحكامة الأمنية قائم على تقاسم المسؤولية، وبناء الثقة، وتحقيق الالتقائية بين الفعل الأمني والفعل المجتمعي.
و تبقى الدينامية الأمنية التي نشاهدها الآن في قلعة السراغنة هي صورة معبرة عن نجاعة النموذج الأمني المتكامل للمديرية العامة للأمن الوطني، و الذي يجمع بين التوجيه الاستراتيجي المركزي والتفعيل الميداني الترابي، في إطار مقاربة حديثة تعلي من شأن الاستباق والنجاعة والقرب من المواطن، وتترجم إرادة مؤسساتية واضحة في ترسيخ أمن مستدام يستجيب لتطلعات الساكنة ويواكب رهانات التنمية المحلية.E7















