حنان العويسي
تعد المخيمات الصيفية إحدى الآليات التربوية والاجتماعية ذات الأبعاد المتعددة التي تستهدف الأطفال خلال فترة العطلة الصيفية، في إطار يجمع بين الترفيه والتربية والتكوين، فهي تشكل بيئة تربوية موازية تسهم في تنمية شخصية الطفل من خلال أنشطة متنوعة تشمل الجوانب الثقافية، الرياضية، الفنية، والمهارية.
وتنبع أهمية هذه المخيمات من قدرتها على تعزيز قيم المواطنة، والعمل الجماعي، والانضباط إلى جانب إتاحة فرص للاحتكاك الاجتماعي وبناء العلاقات بين الأطفال من خلفيات مختلفة، بما يرسخ مبادئ التعايش والتسامح، كما تعتبر مجالا لتفريغ الطاقات الإبداعية والبدنية في إطار منظم وآمن، تحت إشراف أطر تربوية مؤهلة، وهو ما يجعلها جزءا أساسيا من منظومة التنشئة الاجتماعية الحديثة.
فعلى المستوى البنيوي، تقوم منظومة تنظيم المخيمات الصيفية على تعددية في المتدخلين، حيث تتولى الوزارة الوصية توفير جزء من الدعم العمومي، وتساهم الجماعات الترابية بالدعم اللوجستيكي في إطار تدخلاتها الاجتماعية، فيما تضطلع الجمعيات كفاعل وسيط بتنفيذ البرامج ميدانيا، غير أن هذا البناء التعددي، بدل أن يعزز النجاعة والتكامل، أفرز في الممارسة اختلالات مرتبطة بغياب ضبط دقيق للعلاقة بين حجم الدعم العمومي والكلفة الفعلية المفروضة على الأسر، إذ تسجل في عدد من الحالات فجوة غير مبررة بين حجم التمويلات العمومية المعلنة وبين المساهمات المالية المطلوبة من المستفيدين، بما يطرح إشكالا يتعلق بشفافية التسعير وحدود المشروعية في استيفاء المقابل المالي داخل خدمة ذات طابع اجتماعي.
فإذا كانت الدولة تعلن عن جعل المخيمات الصيفية فضاء للتنشئة الاجتماعية والتربية على قيم المواطنة، فإن هذا الخيار العمومي لا يمكن أن يظل مجرد خطاب نوايا وإنما يفترض ترجمة فعلية على مستوى الحماية الصارمة لهذا الورش التربوي الاجتماعي من كل أشكال الاستغلال اللامشروع.
ذلك أن استمرار فرض مبالغ مرتفعة على أولياء الأمور تفوق بعض الأحيان 500 درهم للطفل الواحد في سياق يفترض فيه أن الدعم العمومي يغطي جزءا أساسيا من الكلفة، يطرح سؤالا حقيقيا حول الحكامة، حيث يفقد هذه البرامج معناها الاجتماعي، ويحولها في بعض الحالات إلى سوق تجاري تقصي الفئات الهشة وتقوض مبدأ تكافؤ الفرص.
ويتجاوز هذا الإشكال البعد المالي ليطال جودة الخدمة العمومية المقدمة، وعلى رأسها مسألة التغذية، التي تعد عنصرا مركزيا في أي برنامج تربوي موجه للأطفال، فعدد من المؤشرات الميدانية تفيد بأن جودة الوجبات المقدمة لا تعكس، في حالات متعددة مستوى الموارد المرصودة، سواء من حيث التوازن الغذائي أو شروط السلامة الصحية أو احترام الحد الأدنى من معايير الجودة، ويثير هذا الوضع تساؤلات مشروعة حول فعالية آليات المراقبة، ومدى تفعيل دفاتر التحملات، وكذا قدرة المنظومة على ربط التمويل العمومي بمخرجات قابلة للقياس، بدل الاكتفاء بمنطق التمويل الإجرائي غير المرتبط بالنتائج.
ومن هنا يتوجب على الدولة من خلال مؤسساتها الرقابية والإدارية، أن تضرب بيد من حديد كل الممارسات التي تمس بطابع المخيمات الصيفية كخدمة اجتماعية وتربوية موجهة للأطفال، وأن تتصدى بحزم لأي استغلال غير مشروع للدعم العمومي أو أي تضخيم غير مبرر للكلفة المفروضة على الأسر، فالمسألة هنا تتعلق بمدى احترام روح السياسة العمومية في بعدها الاجتماعي والحقوقي.
كما أن المطلوب ليس فقط التدخل بعد وقوع التجاوزات ولكن وجب إرساء منظومة تتبع ومراقبة استباقية تضمن الشفافية في التمويل، وتخضع جميع المتدخلين لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة دون استثناء أو تساهل، حماية لثقة المواطنين وصونا لعدالة الولوج إلى هذه البرامج التربوية.
وهنا نتحدث عن مدينة مراكش التي تعد من أبرز الحواضر التي تعرف إقبالا كبيرا على المخيمات الصيفية، بحكم كثافتها السكانية واحتياجاتها الاجتماعية المتزايدة، غير أن هذا الإقبال بدل أن يترجم إلى توسيع قاعدة الاستفادة وتعزيز الطابع الاجتماعي لهذه البرامج، يكشف في بعض الحالات عن اختلالات كبيرة، تتجلى في ارتفاع غير مبرر لمساهمات الأسر دون وصل أداء، بما يطرح علامات استفهام حول كيفية تنزيل الدعم العمومي على المستوى المحلي.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري أن يفعل ولاة الجهات باعتبارهم ممثلا للسلطة الترابية والمسؤول الأول في الجهة ، دور التتبع والمراقبة الصارمة لهذه البرامج، بما يضمن احترام الطابع الاجتماعي للمخيمات الصيفية، ويمنع أي استغلال غير مشروع للدعم العمومي أو أي تحميل غير مبرر للأسر أعباء مالية إضافية.
كما يقتضي الوضع تعزيز آليات التفتيش والمساءلة على مستوى تنزيل هذه البرامج مع الضرب بيد من حديد على كل من ثبت في حقه المتاجرة بهذه الفئة الاجتماعية في وقت تعاني فيه الأسر كالمراكشيين من غلاء المعيشة بسبب الظروف الاقتصادية، لهذا يتحتم مواجهة أي اختلالات أو تجاوزات تمس مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص، فالمخيمات الصيفية باعتبارها خدمة اجتماعية موجهة للطفولة.
ولأن هذه السنة ليست كسابقاتها، وإنما سنة انتخابية مفصلية تعاد فيها صياغة موازين التمثيل السياسي، فإن أي تهاون في تحصين المخيمات الصيفية من التوظيف السياسي يتحول من مجرد خلل تدبيري إلى انزلاق مؤسساتي خطير، ففي سياق تتداخل فيه المسؤوليات بين الدولة والجماعات والجمعيات، ومع حضور فاعلين جمعويين ذوي انتماءات سياسية معلنة ومنتخبين ولجوا لهذا المجال تحت غطاء جمعياتهم، يصبح خطر تحويل هذه الفضاءات التربوية إلى امتدادات ناعمة للتأثير الانتخابي قائما بشكل موضوعي حتى دون وجود توجيه صريح.
الإشكال هنا لا يتعلق بحرية الانتماء لأنه مبدأ دستوري، ولكن بغياب حدود فاصلة بين ما هو اجتماعي وما هو سياسي داخل فضاء يفترض فيه الحياد المطلق، فحين تترك مساطر الاستفادة دون تدقيق وتقصى جمعيات بمبررات واهية، وتفضل جمعيات على جمعيات أخرى، وتغيب الشفافية في اختيار المستفيدين، وتدار البرامج بهوامش تقديرية واسعة، فإن ذلك يفتح الباب أمام أشكال دقيقة من الاستقطاب غير المعلن، حيث تتحول الخدمة الاجتماعية إلى أداة تأثير رمزي تبنى عبرها شبكات ولاء صامتة بدل تكريس مبدأ الاستحقاق.
وتبعا لما ذكرناه أعلاه، فأكيد أن وزارة الداخلية أخذت علما دقيقا ومفصلا بطبيعة التجاوزات المسجلة لتلك السنة الفارطة، وفعلت برسم هذه السنة مقاربة عين الصقر في التتبع والمراقبة، وهي مقاربة تقوم على الرصد الدقيق، والتتبع اللحظي لمختلف مراحل التخييم، من انتقاء الجمعيات إلى تنزيل البرامج ميدانيا، مرورا بمراقبة مسارات صرف الدعم العمومي، وفي هذا الإطار سيتم تشديد مساطر الافتحاص الآني، وتوسيع نطاق المراقبة الميدانية، وربط التمويل العمومي بشكل صارم باحترام دفاتر التحملات ومؤشرات الجودة الميدانية من خلال فرق مراقبة ميدانية، مع تفعيل آليات زجرية فورية في حق كل من ثبت تورطه في أي إخلال،
لأن الأمر لم يعد يتعلق فقط بضبط اختلالات معزولة، وإنما نحن أمام عمليات نصب و إحتيال من خلال فرض مبالغ خيالية على الأسر الهشة، لهذا وجب إعادة فرض هيبة الدولة، بما يضمن تحصين المخيمات الصيفية من كل أشكال الريع أو التوظيف الملتبس، ويعيد توجيهها نحو غايتها الأصلية ذات بعد تربوي واجتماعي خالص.
ومن المرتقب إحداث رقم أخضر وطني للتبليغ عن التجاوزات، يتيح الإبلاغ الفوري عن أي ممارسات تمس مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص، فوجود قناة رسمية ومباشرة للتبليغ تعد رسالة مؤسساتية واضحة مفادها أن تدبير هذه البرامج يخضع لمنطق المراقبة والمساءلة والمحاسبة وليس للعشوائية.
كما لا يفوتنا أن نشد بحرارة على جمعيات التخييم الأصيلة التي راكمت عبر عقود تجربة عظيمة في تنظيم المخيمات الصيفية بمستويات تربوية وتنظيمية عالية، وجعلت من هذا الورش فضاء حقيقيا للتنشئة على القيم، وكذا الجمعيات الحديثة التي ولجت مؤخرا لهذا المجال و التي أعطت إضافة نوعية و جميلة، فالجمعيات الأم التي اشتغلت بروح تطوعية صادقة والتزام تربوي عميق، أسهمت في تكوين أجيال من الأطر التربوية الكفؤة، التي لا تزال تشكل اليوم رافعة أساسية لأي إصلاح مستقبلي جاد في هذا القطاع، وتعد مراكش خزانا مؤهلا لأصحاب الشارة الخشبية الذين نفتخر بهم وطنيا.















