لأكثر من سنة، لم تعد الحياة في تجزئة الضحى أبواب مراكش “زون 20” تسير بشكل طبيعي، بل تحولت إلى يوميات مثقلة بروائح خانقة ومياه عادمة تتدفق بلا توقف، في مشهد يختزل حجم الخلل الذي تعرفه شبكة الصرف الصحي، ويفضح في الآن نفسه غياب تدخل فعلي من الشركة الجهوية المتعددة الخدمات المفروض فيها تدبير هذا القطاع.

ما يحدث في المكان لم يعد مجرد عطب عابر، بل أزمة قائمة بذاتها. قواديس مكسورة وقنوات مختنقة لفظت ما بداخلها إلى الخارج، لتتحول الأزقة ومحيط العمارات إلى مجارٍ مفتوحة، تسيل فيها المياه الآسنة على شكل “وديان” صغيرة تمتد من الممرات إلى الأرصفة، وصولاً إلى الشارع العام. ومع كل يوم يمر، يتأكد للسكان أن ما يواجهونه ليس حادثا طارئا، بل نتيجة بنية تحتية متهالكة لم تخضع لأي إصلاح حقيقي.

الشركة الجهوية المتعددة الخدمات، التي تتحمل مسؤولية تدبير شبكة التطهير السائل، لم تقدم إلى حدود الساعة سوى حلول ترقيعية محدودة، سرعان ما تفقد فعاليتها، ليعود المشهد أكثر سوءاً. تدخلات ظرفية لا تعالج أصل المشكل، بل تؤجله، في وقت أصبح فيه استبدال القنوات المتآكلة وإعادة تأهيل الشبكة أمراً ملحاً لا يقبل التأجيل.

داخل المنازل، تختنق الأنفاس. الروائح الكريهة تتسلل عبر النوافذ وتستقر في الجدران، خصوصاً خلال الليل، حيث تشتد حدتها وتفرض على الأسر عزلة قسرية. الأطفال حرموا من اللعب أمام بيوتهم، وكبار السن يشتكون من تفاقم مشاكل التنفس والحساسية. في الخارج، تنتشر الحشرات والقوارض بشكل لافت، تغذيها المياه الراكدة التي تحولت إلى بيئة خصبة لكل ما يهدد الصحة العامة.
الأضرار لم تتوقف عند حدود الإزعاج الصحي، بل بدأت تلامس سلامة البنايات نفسها، مع تسرب المياه العادمة إلى أساسات العمارات وتآكل جدران بعض الشقق، في مؤشر مقلق على مخاطر قد تتفاقم مستقبلاً إذا استمر الوضع على حاله. أما النشاط التجاري، فقد تلقى ضربة موجعة؛ مقاهٍ ومحلات كانت تعج بالحركة تحولت إلى فضاءات شبه فارغة، بعدما أصبح الزبائن ينفرون من المكان بمجرد أن تسبقهم الرائحة أو تقع أعينهم على البرك السوداء.
ورغم تعدد الشكايات التي وجهها السكان والتجار، لم يطرأ أي تغيير يذكر. صمت مطبق من الشركة الجهوية وممثلي الساكنة، وغياب لأي تواصل يوضح ما يجري أو يحدد أجلاً للتدخل، ما عمّق الإحساس بالتهميش لدى المتضررين، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع أزمة لم يتسببوا فيها.
اليوم، لم تعد الساكنة تطلب أكثر من حقها في بيئة سليمة. مطلب واضح يتمثل في تدخل عاجل لإصلاح جذري للشبكة، يبدأ باستبدال القنوات المتهالكة، وشفط المياه الراكدة، وتعقيم الفضاء المتضرر، بدل الاستمرار في دوامة الحلول المؤقتة. كما تتجه الأنظار نحو والي جهة مراكش-آسفي وعامل عمالة مراكش، من أجل كسر هذا الصمت وفرض مساءلة حقيقية تضع حداً لعام كامل من الإهمال.
في “أبواب مراكش”، لم تعد الروائح مجرد إزعاج عابر، بل أصبحت عنواناً لأزمة ثقة بين المواطن والجهة المفترض فيها حمايته، وسؤالا مفتوحا: كيف يمكن لقادوس مكسور وقنوات مختنقة أن تهزم مؤسسة كاملة دون أن تتحرك؟
متابعة// أيوب زهير















