في سياق العناية المتواصلة بالذاكرة الثقافية لمدينة مراكش، والاحتفاء بموروثها الحضاري الغني، احتضن نادي المدرس بالمركب الاجتماعي الزهراء، يوم الأحد 12 أبريل 2026، فعاليات الدورة الثالثة من “زهرية مراكش”، المنظمة من طرف مؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم – فرع مراكش، بشراكة مع جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته، تحت شعار:
“ذاكرة تُقطَّر… وفلسفة تُكرَّم”.

وقد شكل هذا الحدث الثقافي محطة متميزة امتزجت فيها أصالة التراث المراكشي، ممثلة في طقوس تقطير ماء الزهر، مع قيمة الفكر والاعتراف، من خلال تكريم الأستاذ الدكتور سعيد بوبيل بمناسبة حصوله على الدكتوراه في الفلسفة، في لحظة إنسانية وثقافية جسدت أسمى معاني الوفاء والتقدير.

هذا الحفل لم يكن مجرد لقاء احتفالي عابر، بل حمل ثلاث رسائل أساسية عكست عمقه الرمزي؛ أولها أن التراث ليس ماضيًا جامدًا، بل ذاكرة حية ينبغي الحفاظ عليها ونقلها للأجيال، وثانيها أن الفكر والكفاءة والعطاء الهادئ يستحقون الاعتراف والتكريم، وثالثها أن المؤسسة الاجتماعية والتربوية قادرة على أن تكون فضاءً حاضنًا للثقافة والشراكة وصناعة المعنى.

وقد جرت فعاليات الحفل في أجواء احتفالية راقية، بحضور ثلة من الفاعلين التربويين والثقافيين والجمعويين والإعلاميين، إلى جانب أصدقاء المحتفى به ومعارفه. وأسندت مهمة تنشيط الحفل إلى الأستاذة سعاد مدياني، التي أدارت فقراته بكفاءة عالية، مما أضفى على مجريات اللقاء انسجامًا وتنظيمًا محكمًا. كما استُهل البرنامج بكلمة ترحيبية للأستاذة حليمة ملغاغ، التي نوهت بأهمية هذه المبادرة في ترسيخ ثقافة الاعتراف والانفتاح على قضايا التراث والفكر.

وتضمن البرنامج كلمات مؤطرة، أبرزها كلمة السيد عبد العزيز مسافري، نائب الكاتب العام للمؤسسة، الذي أكد أن “زهرية مراكش” تمثل رؤية تجمع بين العمل الاجتماعي والإشعاع الثقافي، وتكرس الاحتفاء بالرموز الفكرية. كما أبرز دلالة شعار الدورة، الذي يجمع بين استحضار الطقس التراثي لتقطير ماء الزهر وتكريم الفكر الفلسفي. من جانبه، أشاد الدكتور جعفر الكنسوسي، رئيس جمعية منية مراكش، بقيمة الشراكة مع المؤسسة، معتبراً إياها نموذجًا للتكامل في خدمة التراث والهوية الثقافية.

وعرفت فقرات الحفل حضورًا أدبيًا وفنيًا متميزًا، حيث أمتع الشعراء موسى مليح وسعيد بالعيدود ونور الدين بنشقرون الحضور بقراءات شعرية أضفت بعدًا جماليًا ووجدانيًا على الأجواء. كما ساهمت فرقة الحرارشة الغنائية بلوحات فنية تراثية أعادت إحياء أجواء مراكش العتيقة، ومنحت الحفل طابعًا احتفاليًا أصيلًا.

وشكلت لحظة تكريم الدكتور سعيد بوبيل أبرز محطات الحفل، حيث قُدمت له ورود ودروع وشهادات تقديرية من عدة جهات، اعترافًا بمساره الأكاديمي والفكري وعطائه الثقافي والإنساني. وقد عبر المحتفى به في كلمة مؤثرة عن امتنانه العميق لهذا التكريم، معتبراً إياه لحظة وفاء ذات قيمة خاصة في مسيرته.

كما تخللت الحفل شهادات متعددة في حق المحتفى به، عكست غنى مساره وتعدد إسهاماته، سواء في المجال التربوي أو النقابي أو الأكاديمي أو الإنساني، حيث نوه المتدخلون بخصاله الفكرية وأخلاقه الرفيعة ومكانته داخل محيطه المهني والجمعوي.

ومن بين الفقرات الرمزية البليغة، قام الدكتور سعيد بوبيل بغرس “شجرة الحكمة” ببهو مقتصدية الزهراء، في مبادرة ترمز إلى استمرارية الفكر وامتداده، وتخلد هذه اللحظة الثقافية. وقد جاء هذا التقليد امتدادًا لنهج سابق دأبت عليه “زهرية مراكش”، بما يعزز حضور الرمزية في هذا الموعد الثقافي.

واختُتمت فعاليات الحفل بتوزيع منتوج تقطير ماء الزهر على الحضور، في لفتة رمزية تعكس روح “الزهرية”، قبل توثيق اللحظات المميزة بصور جماعية تؤرخ لهذه الدورة.

وبذلك، أكدت الدورة الثالثة من “زهرية مراكش” نجاحها كموعد ثقافي يجمع بين التراث والفكر، ويكرس ثقافة الاعتراف والوفاء، ويعزز مكانة المؤسسة الاجتماعية كفضاء للإبداع الثقافي وصناعة المعنى، في أفق ترسيخ هذا التقليد الثقافي كموعد سنوي يحتفي بذاكرة مراكش وروحها المتجددة.

























