يشكل التحول الذي يشهده التخطيط الترابي بالمغرب إحدى أبرز الديناميات الإصلاحية الكبرى التي تعكس إعادة صياغة عميقة لمنطق إنتاج القرار العمومي، حيث لم يعد المجال مجرد وعاء لتطبيق السياسات العمومية بقدر ما أصبح في حد ذاته بنية منتجة للاختيارات التنموية، ويعكس هذا التحول انتقالا نحو تصور أكثر تكاملا للحكامة الترابية، والذي يقوم على إعادة الاعتبار للمعطى المجالي باعتباره مدخلا مركزيا في بناء السياسات العمومية.
ويعتبر اعتماد الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة تجسيدا مؤسساتيا لهذا التطور من خلال ترسيخ مقاربة تقوم على التشخيص الترابي كمرحلة تأسيسية للقرار التنموي، تعيد وصل حلقات التخطيط بين المستوى المحلي والجهوي والوطني ضمن رؤية منسجمة، ولا يتوقف الأمر عند البعد الإجرائي لهذه المقاربة ولكن يمتد إلى إعادة تنظيم العلاقة بين المجالات الترابية وصناعة القرار، بما يسمح بإدماج الخصوصيات المحلية داخل توجه استراتيجي موحد.
كما يعكس هذا التوجه قدرة متقدمة على تجاوز المقاربات المجزأة نحو بناء إلتقاء وظيفي بين مختلف الفاعلين الترابيين، يقوم على توحيد التشخيصات باعتبارها قاعدة مشتركة للتخطيط، وهو ما يمنح للنموذج الجديد قيمة مضافة تتجلى في تعزيز قابلية السياسات العمومية للترجمة الميدانية، وبذلك يتم رفع مستوى الانسجام بين الأولويات التنموية والرهانات المجالية.
ويعد هذا التحول الذي تبلور بشكل واضح من خلال التوجيه الملكي السامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله الوارد في خطاب عيد العرش المجيد لسنة 2025 والمرسخ في مخرجات المجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 9 أبريل 2026 بعدا مؤسساتيا مهما، حيث تم التأكيد على ضرورة إعداد برامج تنموية ترابية مندمجة تنطلق من تشخيص محلي على مستوى العمالات والأقاليم ثم يتم تجميعه على المستوى الجهوي قبل أن يخضع للدعم والتأطير الوطني.
هذا التصور يعكس من حيث المبدأ إرساء تراتبية واضحة في إنتاج القرار التنموي المندمج، تجعل من التشخيص الترابي المحلي نقطة الانطلاق الأساسية لأي تخطيط تنموي بما يفترض معه أن يتحول هذا التشخيص إلى مرجعية شبه ملزمة لباقي المستويات، غير أن هذا النموذج الجديد يتوخى منه ألا يصطدم عند التنزيل العملي بالإكراهات المرتبطة بآليات وبطبيعة التفاعل بين الفاعلين الترابيين، وبمدى وضوح الحدود الفاصلة بين مستويات القرار.
إن منتدى تحيين برنامج عمل جماعة مراكش يعد نموذجا دالا يطرح تساؤلا حول مدى امتلاك جماعة مراكش لرؤية استشرافية منسجمة مع التحولات التنموية الجديدة، وحول مستوى انخراطها العملي في تفعيلها، خاصة في ما يتعلق بالانتقال من التشخيص الترابي إلى برمجة جماعية متكاملة، حيث أنه تم تنظيم لقاء تشاوري على مستوى ولاية جهة مراكش آسفي في شهر نونبر 2025 في إطار الدينامية الوطنية لإعداد التشخيص الترابي المندمج التي تقودها وزارة الداخلية بتوجيه ملكي سامي، بهدف تحديد الأولويات التنموية الكبرى وفق مقاربة تشاركية فعالة، وكان يفترض وفق المنطق المؤسساتي أن يشكل هذا التشخيص مرجعية أساسية تبنى عليها باقي مراحل البرمجة التنموية، خاصة على مستوى الجماعات الترابية التي يجب أن يكون لها دور فعال في تحويل هذه التوجهات إلى برامج تنموية.
غير أن الملاحظة الأساسية التي تطرحها حالة مدينة مراكش تتمثل في كون عملية تحيين برنامج عمل الجماعة لم تنطلق بشكل واضح من مخرجات هذا اللقاء التشاوري الذي ترأسه والي جهة مراكش أسفي، وإنما أعادت طرح نفس الإشكالات التنموية ذاتها، المرتبطة بالبنيات التحتية، الخدمات العمومية، العدالة المجالية، والتنمية الاقتصادية، من خلال تنظيم منتدى لتحيين برنامج عمل الجماعة، وهو ما يوحي من زاوية تحليلية بأننا لسنا أمام تراكم منهجي في إنتاج الحكامة الترابية بقدر ما نحن أمام إعادة تدوير لنفس التشخيص داخل مستويات مؤسساتية متعددة دون ضمان انتقال سلس من التشخيص إلى البرمجة.
هذا الوضع يسمح بالحديث عن ما يمكن تسميته بالتشخيص الدائري، حيث لا يتم الانتقال من مستوى إلى آخر في مسار تخطيطي تصاعدي واضح، ولكن يتم استنساخ نفس الإشكالات داخل كل مستوى من مستويات التدبير الترابي، بما يفقد العملية التخطيطية طابعها التراكمي الإيجابي، فالإلتقائية في بعدها النظري لا تعني تعدد فضاءات النقاش أو تكرار الإشكالات وإنما تفرض وحدة مرجعية للتشخيص وتدرجا وظيفيا واضحا بين إنتاج الرؤية الاستراتيجية وترجمتها إلى برامج على أرض الواقع، وهذا ما جاءت به الخطوط العريضة لحكامة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة.
ومن هنا يبرز إشكال جوهري لدى جماعة مراكش الذي يرتبط بمدى وضوح التمييز بين وظيفة التوجيه الاستراتيجي التي يفترض أن تضطلع بها السلطة الترابية وبين وظيفة البرمجة التنفيذية التي تناط بباقي الفاعلين الترابيين، حيث في غياب هذا التمييز الوظيفي الصارم تتداخل الأدوار بشكل يجعل من التشخيص وثيقة قابلة لإعادة التفسير في كل مستوى بدل أن يكون مرجعا موجها وملزما، مما يفتح المجال أمام نوع من التوازي المؤسساتي غير المنتج.
إن هذا التداخل لا يفهم فقط بوصفه خللا تقنيا في مسار التخطيط لم تستوعبه بعد جماعة مراكش، ولكن باعتباره مؤشرا على التأخر في فهم هندسة الحكامة الترابية الجديدة ، حيث يتقاطع منطق التوجيه المركزي الساعي إلى فرض الانسجام والتكامل مع منطق التدبير المحلي الذي يسعى إلى إعادة صياغة الأولويات وفق خصوصيات مجالية محددة وإكراهات ظرفية، وفي غياب آليات دقيقة لضبط هذا التفاعل القائم يضعنا أمام إعادة إنتاج للإشكالات بدل أن يكون رافعة لتجويد القرار العمومي التنموي.
وعليه، تكشف الحالة المدروسة أن الإشكال التي يطرح هنا بقوة ليس في التخطيط الترابي ولا يكمن في غياب الرؤية أو ضعف التصور الاستراتيجي، ولكن يتجلى في صعوبة تفعيل منطق تراتبي منسجم يضمن انتقالا فعليا من التشخيص إلى البرمجة، ومن الرؤية إلى التنزيل، مع عدم قدرة الفاعلين المنتخبين على التجاوب السريع والإيجابي مع هذه التحولات الجديدة، والانخراط الفعلي في منطقها، فحين لا يتم تثبيت التشخيص الترابي كمرجعية ملزمة تتراكم عبر المستويات، تتحول العملية التخطيطية إلى سلسلة من التكرارات المؤسساتية، حيث تعاد نفس الأسئلة دون أن تتغير بالضرورة طبيعة الأجوبة أو ترتيب الأولويات.
قد يحتج من منظور قانوني أن جماعة مراكش يمكن أن تستند في دفاعها عن منهجية إعداد برنامج عملها إلى المرسوم رقم 2.16.301، باعتبار أنه يكرس مبدأ التشاور ويؤطر مسطرة إعداد البرنامج في إطار تشاركي مفتوح، غير أن هذا التبرير رغم وجاهته الشكلية والقانونية لا يجيب عن الإشكال الجوهري المتعلق بمسار إنتاج التشخيص ذاته ومدى تراتبيته داخل منظومة التخطيط الترابي.
فمن زاوية ضرورة الاستجابة لتوجه الدولة الجديد ولضمان الفعالية التخطيطية كان من المفترض أن يشكل التشخيص الترابي المتكامل المنجز على مستوى ولاية جهة مراكش آسفي في إطار اللقاء التشاوري المنعقد خلال شهر نونبر 2025 مرجعية انطلاق أولى لأي تشخيص جديد ولبنة أساسية لأي تحيين لاحق لبرنامج عمل الجماعة بما يسمح بتفادي إعادة إنتاج نفس الإشكالات وتكرار نفس محاور التشخيص داخل مستويات مؤسساتية مختلفة، إذ إن منطق الإنتاج الجيد للسياسات العمومية يقتضي الانطلاق من تشخيص موحد مندمج يتم تفكيكه إلى أولويات محلية بدل إعادة بنائه من جديد داخل كل مستوى ترابي على حدة، خاصة و أن مدينة مراكش في بنيتها الترابية المجالية متداخلة مع جماعات قروية ضمن عمالة مراكش.
كما أن استحضار المقتضيات المتعلقة بمسطرة التأشير كما هو منصوص عليه في المادة 12 من نفس المرسوم المذكور أعلاه، والتي تجعل مقرر تحيين برنامج عمل الجماعة غير قابل للتنفيذ إلا بعد تأشير عامل العمالة أو الإقليم طبقا للقانون التنظيمي 113.14، مما يجعل برنامج الجماعة النهائي يظل خاضعا لرقابة مؤسسة والي الجهة، بما يعني أن برنامج الجماعة المحين لن يشتغل في معزل عن التوجيهات والتقارير والتشخيصات الصادرة عن السلطة الترابية.
لقد كان من المفترض أن تتوفر جماعة مراكش على رؤية رشيدة تؤسس لتفاعل واع مع التحول الذي يعرفه مجال التخطيط الترابي، رؤية تستوعب من جهة منطق الانتقال نحو الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، ومن جهة ثانية تستحضر التوجيهات والتعليمات الملكية المؤطرة لهذا التحول كما صيغت في بلاغ المجلس الوزاري، ويعني ذلك أنه كان يجب أن يكون مشروع تحيين برنامج عمل الجماعة امتدادا عمليا لهذا التحول الجديد، لا مجرد تمرين تقني لإعادة تجميع نفس الإشكالات التنموية في إطار تطبيق قانوني جاف.
وتأسيسا لما سبق، هل سيتطابق برنامج عمل الجماعة المحين فعلا مع منطق الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة؟
وهل سيؤشر والي الجهة على برنامج عمل الجماعة المحين كما هو معروض عليه، باعتباره مستوفيا للمقتضيات الشكلية المنصوص عليها في المرسوم رقم 2.16.301 والقانون التنظيمي 113.14، أم سيمارس والي الجهة سلطته التقديرية لتأجيل التأشير عليه إلى حين إعادة ملاءمته مع مخرجات التشخيص الترابي المنجز على مستوى الولاية، بما يضمن انسجامه مع التوجهات الاستراتيجية للتنمية الترابية؟
و أخيرا، هل يفرض التحول الجديد نحو الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة مراجعة القانون التنظيمي 113.14 بما يكرس بشكل صريح مبدأ التراتبية التخطيطية، ويلزم الجماعات بالانطلاق من التشخيصات المنجزة على مستوى العمالات والأقاليم والجهات، بدل إعادة إنتاجها داخل مستويات موازية؟
التحليل القادم : أهمية السياق الزمني عند إفتتاح الأوراش الملكية: مشروع مدينة المهن
والكفاءات بتامنصورت أنموذجا
Le master
الشكر موصول لجريدة جامع الفنا بريس على النشر















