لم يعد صعود اليمين الترامبي في العالم مجرد حدث سياسي مرتبط بعودة Donald Trump إلى المشهد الأمريكي ولكن تحول إلى ظاهرة دولية تعكس تحولا عميقا في البنية الفكرية والسياسية للأنظمة الغربية، فالموجة التي انطلقت من الولايات المتحدة قد امتدت إلى أوروبا عبر صعود التيارات القومية والمحافظة، حيث شهدت فرنسا الصعود المتواصل لليمين القومي بقيادة Marine Le Pen ، بينما عرفت إيطاليا وصول اليمين المحافظ إلى السلطة بقيادة Giorgia Meloni، كما سجلت ألمانيا تقدما لافتا لحزب البديل من أجل ألمانيا، وقد تعزز هذا التوجه بشكل واضح في بريطانيا خلال الانتخابات المحلية والجهوية التي جرت في 7 ماي 2026، حيث حقق حزب Reform UK بقيادة Nigel Farage تقدما انتخابيا لافتا على حساب الأحزاب التقليدية، بما يعبر عن تحول عميق داخل الفكر السياسي الغربي نحو مفاهيم السيادة والهوية والدولة الوطنية، في سياق غذته أزمات الهجرة والتضخم والطاقة وتراجع الثقة في العولمة الليبرالية.
هذا التحول يعكس أزمة عميقة داخل النموذج الليبرالي الغربي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة، فقد ساد الاعتقاد لسنوات طويلة بأن العولمة الاقتصادية والانفتاح الثقافي والتكامل الدولي سيقود إلى عالم أكثر استقرارا وازدهارا، غير أن الأزمات المتلاحقة من الانهيارات الاقتصادية إلى موجات الهجرة والحروب والصدمات الطاقية والتضخم والصراعات الهوياتية كشفت عن قصور هذا النموذج وأعادت الاعتبار لمفاهيم كانت تبدو متراجعة مثل الدولة القومية، والسيادة الوطنية، والاقتصاد الوطني، والهوية الثقافية.
وقد برز اليمين الترامبي باعتباره تعبيرا عن تمرد سياسي واجتماعي ضد النخب التقليدية والمؤسسات العابرة للحدود، وضد الليبرالية المتوحشة التي شعر جزء واسع من المجتمعات الغربية بأنها أضعفت الدولة الوطنية وأفقدت الطبقات الوسطى والفقيرة جزءا كبيرا من استقرارها الاقتصادي والاجتماعي، لذلك فإن صعود هذا التيار لم يكن فقط صعودا انتخابيا وإنما كان صعودا لفكرة سياسية جديدة قوامها إعادة بناء السلطة حول مفاهيم الأمن والسيادة والحدود والمصلحة الوطنية.
غير أن أهمية هذه التحولات لا تكمن فقط في تأثيرها على الغرب بل أيضا في انعكاساتها على بقية دول العالم، ومنها المغرب الذي يتابع بدوره هذا التحول العالمي من داخل خصوصيته السياسية والمؤسساتية، فالمغرب وإن كان يختلف جذريا عن الديمقراطيات الغربية من حيث طبيعة النظام السياسي ودور المؤسسة الملكية ومكانة الدولة داخل المجتمع إلا أنه ليس معزولا عن التحولات الدولية الكبرى بقدر ما يتفاعل معها وفق منطقه الخاص.
فغي الحالة المغربية لا يمكن الحديث عن ظهور ترامبية مغربية بالمعنى الحرفي للكلمة، لأن البنية السياسية المغربية لا تنتج نفس الصراعات التي عرفتها المجتمعات الغربية، فالمؤسسة الملكية في المغرب ظلت تاريخيا تمثل مركز الاستقرار وضامن الوحدة والسيادة، وهو ما حد من إمكانية تشكل تيارات احتجاجية قومية صدامية كما في النمط الغربي، غير أن التأثير الحقيقي لهذه التحولات يظهر في إعادة تشكيل المزاج السياسي والانتخابي داخل المجتمع المغربي نفسه.
لقد بدأت تظهر تدريجيا داخل المغرب مؤشرات انتقال من السياسة الإيديولوجية إلى السياسة التدبيرية والسيادية، فالناخب المغربي مثل كثير من المجتمعات اليوم لم يعد يمنح الأولوية للشعارات العقائدية أو للصراعات الإيديولوجية التقليدية بين اليمين واليسار أو بين الإسلاميين والعلمانيين، بقدر ما أصبح يبحث عن الفاعل السياسي القادر على ضمان حماية القدرة الشرائية وتدبير الأزمات الاقتصادية وتوفير الخدمات الاجتماعية.
ومن هنا يمكن فهم التحولات التي يشهدها الحقل الحزبي المغربي، فالأحزاب التي ترتبط بخطاب الدولة والسيادة والاستقرار تبدو أكثر قدرة على التكيف مع المزاج العالمي الجديد مقارنة بالأحزاب ذات الخطابات الإيديولوجية التقليدية، وفي هذا الإطار يمكن أن نعتبر حزب الاستقلال هو الحزب الأقرب من الناحية السياسية والفكرية إلى المناخ العالمي المحافظ والسيادي، فالحزب بحكم امتداده التاريخي المرتبط بالحركة الوطنية يحمل في بنيته الفكرية مفاهيم الدولة الوطنية والسيادة الاقتصادية والدفاع عن الهوية المغربية والطبقة الوسطى، وهي القضايا نفسها التي أعادت الأحزاب المحافظة والقومية إلى الواجهة في الغرب.
كما يمثل حزب الاستقلال توجها مختلفا يقوم على التدبير الاقتصادي الذي يراعي القدرة الشرائية للمواطنين والنجاعة وربط السياسة بالاستثمار والتنمية والاستقرار الاجتماعي، كما تتماشى سياسته مع منطق الدولةالحديثة التي تضع الأولوية للمؤسسات والتوازنات الترابية والنجاعة التدبيرية، وهذا يعني أن التحول المغربي المبني على التحولات العالمية لا يتجسد في صعود شعبوية يمينية صدامية وإنما في تعزيز منطق الأحزاب المرتبطة بمفاهيم الاستقرار الاجتماعي و السيادة الوطنية في جميع المجالات.
كما أن هذه التحولات تدفع نحو إعادة تعريف الوظيفة السياسية للأحزاب داخل المغرب، فبعد عقود كانت فيها الأحزاب فضاء للصراع الفكري والتعبئة الإيديولوجية، أصبحت مطالبة اليوم بتقديم نفسها كأدوات للتنمية والتدبير الجيد والحماية الاجتماعية بما يضمن الأمن الاقتصادي والاجتماعي، ولذلك فإن الانتخابات المقبلة قد تتحدد بشكل أكبر وفق قدرة الأحزاب على إقناع المواطنين بامتلاكها برامج قوية وطموحة وقابلة للتنفيذ، مع تقديم نخب كفئة قادرة على تنزيل الأوراش الإستراتيجية الكبرى للمملكة، أكثر من قدرتها على إنتاج فقط الخطابات الشعبوية التقليدية.
إن العالم يدخل اليوم مرحلة انتقال تاريخي عميق، عنوانها تراجع العولمة السياسية وصعود منطق السيادة والدولة القوية والبراغماتية الوطنية، والمغرب بحكم موقعه الجيوسياسي وطبيعة نظامه السياسي يتفاعل مع هذه التحولات بطريقة خاصة تقوم على تعزيز مركزية الدولة، وتقوية المؤسسات الاستراتيجية، وإعادة تشكيل الحقل السياسي حول مفاهيم تخليق الحياة السياسية والاستقرار الاجتماعي والسيادة والنجاعة، ولذلك فإن تأثير اليمين الترامبي على المغرب لن يظهر عبر استنساخ التجربة الغربية ولكن عبر إعادة تشكيل الأولويات الانتخابية والسياسية داخل المجتمع المغربي نفسه، في اتجاه يمنح أفضلية متزايدة للأحزاب القادرة على الجمع بين العدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية والتنمية المندمجة في عالم يعيش حالة توثر وتحول غير مسبوق.
لقد تحدثنا عن حزب الاستقلال ليس باعتباره القائد الحتمي للحكومة المقبلة، وإنما سيكون صاحب فلسفتها السياسية ومرتكزها التوازني من خلال تولي حقائب حكومية استراتيجية مرتبطة بالتنمية الاجتماعية والسيادة الاقتصادية والتنمية الترابية، وأكيد أنه سيمتد هذا المسار وصولا إلى توسيع تموقعه داخل الجهات والجماعات الترابية بعد انتخابات 2027، خاصة في ظل رهان تنزيل مشروع الجهوية المتقدمة و مشاريع التنمية المندمجة والرهانات التنموية المرتبطة بمونديال 2030.
Le professeur
شكرا لجريدة جامع الفنا بريس على النشر















