هل أصبحت شركات النظافة فوق سلطة الوالي والعمدة ؟

هل أصبحت شركات النظافة فوق سلطة الوالي والعمدة ؟

كانت مراكش عبر تاريخها الممتد لأكثر من ألف عام، مدينة تعرف بتاريخها قبل أي شيء آخر، كانت رائحة حدائقها، وأسوارها العتيقة، وأزقتها، وأسواقها، وفضاءاتها العامة، جزءا من هويتها الحضارية التي جعلتها قبلة للعالم وواجهة للمغرب وعنوانا لمدينة استطاعت أن تجمع بين الأصالة والحداثة، ولم يكن اختيارها لاحتضان أكبر التظاهرات الدولية ولا تصنيفها ضمن أهم الوجهات السياحية العالمية صدفة وإنما نتيجة مسار طويل من الجمال العمراني والتدبير الحضري والرمزية التاريخية.


ليس دائما المدن العريقة تفقد بريقها بسبب الحروب فقط ولكن قد تفقده عندما تعجز عن تدبير أبسط مرافقها العمومية، وحين تصبح النفايات جزءا من المشهد اليومي، وحينها تتحول الأزمة من مجرد خلل تقني إلى سؤال سياسي وأخلاقي ومؤسساتي.

اليوم لم يعد الحديث داخل مدينة مراكش حول المشاريع الكبرى، ولا حول برامج التنمية، ولا حول المؤشرات الاقتصادية، للأسف أصبح كلام المواطنين مقتصر حول سؤال بسيط ومؤلم في الآن نفسه: لماذا أصبحت الأزبال منتشرة في كل مكان؟ ولماذا تحولت الروائح الكريهة إلى جزء من الحياة اليومية لساكنة تؤدي الضرائب، وتنتظر في المقابل خدمة عمومية تحفظ كرامتها؟ لقد أصبحت عبارة “وااا ريحتنا عطات” تتردد على ألسنة المواطنين ليست كمجرد تعبير دارج بقدر ما هي اختزال لحالة من الإحباط الجماعي ولشعور متزايد بأن المدينة التي كانت تضرب بها الأمثال في الجمال بدأت تفقد شيئا من صورتها بسبب اختلال مرفق كان يفترض أن يكون الأكثر انتظاما واستمرارية.

إن قطاع النظافة هو أحد أعمدة الأمن البيئي والصحة العامة وأحد المعايير الأساسية التي تقاس بها جودة الحكامة المحلية، لذلك فإن الفشل في تدبيرها لا ينعكس فقط على منظر الشوارع، وإنما ينعكس على علاقة المواطن بالمؤسسة المنتخبة وهنا نخص بالذكر جماعة مراكش وعلى مستوى الثقة في الإدارة ككل وعلى صورة المدينة لدى زوارها ومستثمريها، فالدول لا تقاس فقط بما تنجزه من مشاريع كبرى، وإنما كذلك بقدرتها على تدبير التفاصيل اليومية التي تصنع جودة الحياة، لأن المرفق العمومي هو أول اختبار حقيقي لنجاح أي تجربة في التدبير الترابي.

لقد اختارت الدولة المغربية منذ سنوات نموذج التدبير المفوض لتسيير عدد من المرافق العمومية ومن بينها قطاع النظافة انطلاقا من قناعة مفادها أن إشراك القطاع الخاص يمكن أن يرفع من جودة الخدمات ويعزز النجاعة ويرشد النفقات، غير أن هذا الاختيار لم يكن في أي يوم من الأيام يعني نقل المسؤولية من الجماعة إلى الشركة، فالشركة تنفذ العقد أما المسؤولية السياسية والقانونية فتظل ثابتة على عاتق مجلس الجماعة لأنها هي التي أبرمت العقد وهي التي تمتلك سلطة المراقبة والتقييم وهي التي يفترض أن تفعل الجزاءات كلما ظهر إخلال بالالتزامات، ولذلك فإن كل حديث عن تقصير محتمل للشركة لا يعفي السلطة المفوضة من مسؤوليتها بل يجعلها في قلب النقاش لأن جوهر التدبير المفوض ليس تفويض المسؤولية وإنما تفويض التنفيذ فقط.

هناك أسئلة لا يطرحها السياسيون ولا الفعاليات المدنية ولا تكتبها التقارير الرسمية وإنما يفرضها الواقع وذلك عندما تعجز المؤسسات عن إقناع المواطنين بأن القانون يسري على الجميع دون استثناء، ومن بين هذه الأسئلة ذلك الذي أصبح يتردد بصيغ مختلفة في الشارع المراكشي: هل أصبحت شركات النظافة فوق سلطة والي الجهة وعمدة المدينة؟ وهل وصلت عقود التدبير المفوض إلى مرحلة تجعل الشركة في موقع أقوى من سلطة المراقبة والمحاسبة؟

عندما نتحدث عن والي الجهة وعن رئيسة المجلس الجماعي فإننا نتحدث عن مؤسسات الدولة وهي مؤسسات دستورية، ولا ينطلق السؤال من رغبة في التشكيك في قوة الدولة أو في اختصاصات والي الجهة أو رئيسة المجلس الجماعي، فمؤسسات الدولة من حيث المبدأ هي صاحبة السلطة وهي المخول لها قانونا فرض احترام العقود وحماية المصلحة العامة، لكن استمرار الجدل حول واقع النظافة في عدد من أحياء مراكش وتكرار شكاوى المواطنين من تراجع جودة الخدمة يجعل هذا السؤال مشروعا من زاوية الحكامة، لأن قوة الدولة لا تقاس بالنصوص القانونية وحدها وإنما بقدرتها على جعل تلك النصوص واقعا يلمسه المواطن في حياته اليومية.

فإذا كانت شركة النظافة تفي بجميع التزاماتها فمن واجب المؤسسات أن توضح ذلك للرأي العام بالمعطيات والتقارير، أما إذا كانت هناك اختلالات مثبتة فإن السؤال يصبح: هل فُعِّلت آليات المراقبة والجزاء المنصوص عليها في العقد؟ وهل استعملت كل الصلاحيات القانونية المتاحة لتصحيح الوضع؟ إن غياب أجوبة واضحة هو ما يفتح الباب أمام الانطباع بأن الشركات أصبحت بمنأى عن المحاسبة، وهو انطباع يضر بثقة المواطنين في المؤسسات حتى وإن لم يكن مطابقا للحقيقة القانونية.

إن لب القضية ليس المقارنة بين شركة و والي الجهة أو بين شركة ورئيسة مجلس الجماعي، وإنما قياس مدى فعالية الدولة في فرض احترام القانون، فالدولة المغربية لن تقبل بوجود فاعل اقتصادي أو صاحب شركة مفوض لها قطاع ما أن يعلو على سلطتها، لأن التدبير المفوض لا ينقل السيادة ولا يمنح حصانة ولا يعفي من الرقابة، بل يبقى مجرد آلية لتدبير مرفق عمومي تحت سلطة المؤسسات المختصة.

ومن هنا فإن أزمة النظافة بمدينة مراكش هو اختبار حقيقي لقدرة مؤسسات الدولة على ترجمة مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة إلى ممارسة يومية، فكلما كانت المراقبة أكثر صرامة، والشفافية أكثر حضورا، والمحاسبة أكثر فعالية، اختفى هذا السؤال من تلقاء نفسه، أما إذا استمرت الاختلالات دون تفسير أو معالجة واضحة فسيظل السؤال مطروحا، ليس لأن الشركات أقوى من الدولة ولكن لأن المواطن لم يعد يرى في الواقع ما يكفي لإقناعه بعكس ذلك.

إذا كان بلدنا مقبل على استحقاقات تشريعية مهمة فإن أخطر ما يمكن أن تنتجه مثل هذه الاختلالات ليس تغيير الخريطة الانتخابية أو إعادة توزيع الأصوات بين الأحزاب وإنما توسيع دائرة العزوف السياسي، فالمواطن الذي يغادر بيته كل صباح ليصطدم بأكوام النفايات، ويشاهد مرفقا عموميا عاجزا عن أداء أبسط وظائفه لن ينشغل كثيرا بالسؤال: لمن سأصوت هل لحزب الأصالة والمعاصرة أو التجمع الوطني للأحرار أو الإستقلال أو غيرهم ، وإنما قد يبدأ بطرح سؤال أكثر خطورة: لماذا سأصوت أصلا؟ وهنا يتحول الإخفاق في تدبير خدمة عمومية إلى عامل يقوض الثقة في العملية الديمقراطية برمتها، وهذا ما يجعل أزمة النظافة تتجاوز بعدها البيئي لتصبح قضية سياسية تمس أحد أكبر رهانات الدولة، وهي تعزيز المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة، فالدولة تبذل جهودا كبيرة لترسيخ الثقة في المؤسسات، وتوسيع قاعدة المشاركة، وإقناع المواطن بأن صوته يصنع الفرق، غير أن هذه الجهود قد تتعرض للإضعاف عندما يشعر المواطن بأن أداء بعض المجالس الجماعية لا يعكس حجم الوعود التي حملتها صناديق الاقتراع، فالعزوف لا يصنعه خطاب المقاطعة بقدر ما تصنعه الممارسات التي تجعل المواطن يعتقد أن صوته لم ينجح في تحسين أبسط شروط حياته اليومية، ولذلك فإن استمرار اختلالات مرفق النظافة بمدينة مراكش لا يمثل إخفاقا في تدبير خدمة عمومية فحسب، ولكن للأسف قد يتحول إلى هدية مجانية لكل خطاب يشكك في جدوى المشاركة السياسية، ويغذي الإحساس بأن الانتخابات لا تغير شيئا في الواقع المعيش، وهنا تكمن خطورة المسألة لأن حماية الثقة في المسار الديمقراطي تبدأ من الشارع ومن الحي ومن قدرة المؤسسات المنتخبة على أن تجعل المواطن يلمس كل يوم أن لصوته الانتخابي قيمة عملية تتجسد في جودة الخدمات التي يتلقاها.


وفي الأخير نظن أن من حق ساكنة مراكش أن تتلقى توضيحا رسميا من جماعة مراكش يفسر أسباب هذا التراجع في مستوى خدمات النظافة والإجراءات التي اتخذت أو ستتخذ لضمان عودة المرفق إلى أدائه الطبيعي وذلك تبعا وانسجاما مع روح ومبادئ دستور 2011، كما أن من الواجب على الشركات المفوض لها تدبير قطاع النظافة أن تتقدم باعتذار صريح للمواطنين عن الأضرار والإزعاج الذي لحقهم وأن تقدم برنامجا زمنيا واضحا لمعالجة الاختلالات واستعادة ثقة الساكنة، وفوق كل هذا تقديم ضمانات حقيقية تكفل عدم تكرار هذا الوضع مستقبلا.

شارك المقال
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة