محمد الحجوي
داخل أسوار مستشفى لالة خديجة، الواقع في قلب إقليم قلعة السراغنة، تتجسد مفارقة مؤلمة بين الاسم الذي يحمله والواقع الذي يعيشه.
فمن يفترض أن يكون منارة للشفاء ومقصدا للرعاية الصحية، أصبح اليوم رمزا للصمت والإهمال وغياب الخدمات الأساسية. عند الدخول إلى هذا المبنى، لا يلفت الانتباه صوت أجهزة طبية تعمل، ولا صخب حركة الممرضين والأطباء، بل سكون ثقيل يخيم على المكان بأكمله، وكأن الحياة قررت أن تغادره بصمت.
الممرات الطويلة تلمع أرضياتها من فرط النظافة، لكنها تخلو من مرتاديها. غرف الانتظار مرتبة ولكن بلا مرضى، بلا وجوه قلقة، بلا طاقم طبي حيوي. الأقسام الداخلية تفتقر إلى التجهيزات، الأسرّة خاوية، الستائر البيضاء تتحرك ببطء في هواء المكان، في مشهد أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع. لا وجود للمحاليل أو أجهزة الضغط أو حتى روائح المعقمات التي تميز عادة المستشفيات.
وبينما يُفترض أن تحتوي المؤسسة على معدات حديثة وأدوات تشخيص دقيقة، فإن ما يُقال عنها يبقى حبيس مشاريع معلّقة ووعود لم تتحقق. فالأجهزة الأساسية مثل التصوير بالأشعة وتخطيط القلب، إما غائبة أو متوقفة عن العمل منذ شهور في انتظار صيانة قد لا تأتي.
الصيدلية الداخلية تعكس بدورها حالة مأساوية؛ رفوفها شبه خالية، الأدوية الضرورية مفقودة، والمرضى يُضطرون إلى التنقل لمسافات طويلة بحثًا عن علاج قد يكون بسيطًا في مكان آخر.
الكوادر الطبية تعاني بدورها من نفس الإحباط. من تبقى منهم يعمل بإمكانيات محدودة، يحاولون أداء واجبهم المهني والإنساني وسط ظروف صعبة، فيما غادر آخرون نحو مراكز استشفائية تتوفر فيها الحد الأدنى من شروط العمل اللائق. ومع هذا النزيف، تتعمق الأزمة ويزداد العبء على المرضى الذين لا يجدون من يسعفهم أو يداوي آلامهم.
هذا الواقع المؤلم يناقض بشكل صارخ التصريحات الرسمية والخطط الوطنية التي تتحدث عن إصلاح قطاع الصحة وتوسيع قاعدة الاستفادة من الخدمات العلاجية. فرغم أن سكان المنطقة يساهمون في خزينة الدولة، إلا أن نصيبهم من الرعاية الصحية يبدو ضئيلاً، بل منعدمًا أحيانًا.
عشرات القصص تحكي عن مرضى اضطروا للانتقال إلى مستشفيات بعيدة، في مراكش أو غيرها، في ظروف صحية حرجة، وبعضهم لم يُكتب له النجاة.
إن مستشفى لالة خديجة، في صورته الحالية، ليس سوى شاهد على فشل سياسات صحية لم تصل إلى حيث يجب، وهو اختبار حقيقي لمدى التزام الجهات المسؤولة بضمان الحق في العلاج للمواطنين.
إنقاذ هذه المنشأة ليس ترفا، بل ضرورة ملحة، وواجب أخلاقي وإنساني قبل أن يكون مسؤولية إدارية. فالمستشفيات ليست جدرانًا وأبوابًا فقط، بل هي حياة وأمل وفرصة للشفاء، ويجب ألا تُترك لتتحول إلى مقابر صامتة في صمت دولة يفترض أن تحمي صحة أبنائها.















