محمد حجوي
اهتزت مدينة مكناس على وقع مأساة إنسانية صامتة، تحولت فيها زجاجات كحول مغشوش إلى أدوات موت جماعي. أسفرت الحادثة عن رحيل أحد عشر شخصاً، كانوا يعيشون في هامش المجتمع، بين أحياء شعبية عرفتها المدينة.
بدأت المأساة باكتشاف سبع جثث لأشخاص متفاوتي الأعمار، في مشاهد مفجعة تناثرت بين أحياء البرج المشقوق والرياض وتولال وبرج مولاي عمر وحي العويجة. سرعان ما ارتفع عدد الضحايا ليصل إلى أحد عشر، بعد أن لفظ أربعة آخرون أنفاسهم في قسم المستعجلات بالمركز الاستشفائي الإقليمي محمد الخامس، بينما كان سبعة آخرون في وضع صحي حرج.
تشير المعطيات الأولية للتحقيق إلى أن جميع الضحايا استهلكوا كحولاً مغشوشاً تم شراؤه من محل لبيع العقاقير بحي السكاكين في المدينة العتيقة. ما دفع المصالح الأمنية إلى توقيف صاحب المحل البالغ 68 عاماً ومساعده القاصر.
أسفرت عملية تفتيش المحل عن حجز عشرات القوارير البلاستيكية الفارغة التي كانت تحتوي على مادة كحول التعقيم. كشفت التحريات أن هذه المواد منتهية الصلاحية، وتم تخزينها لأكثر من ست سنوات، ما يعكس الإهمال الكبير في التعامل مع مواد خطرة.
كشفت الخبرة التي أجريت على عينة من الكحول المسؤول عن الوفاة أنه سائل خطير يحتوي على مادة “الميتانول” المعدة أصلاً للتعقيم، بقوة تصل إلى 96 درجة. أكدت نتائج التشريح الطبي أن الضحايا تعرضوا لتسمم حاد أدى إلى توقف وظيفة الكبد وتشمعه، وهو السبب المباشر في وفاتهم.
توسعت خيوط التحقيق لتشمل تاجراً آخر يشتبه في تورطه بتزويد صاحب المحل المعتقل بهذه المادة. وجدير بالذكر أن غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بمكناس قضت مؤخراً بمعاقبته بأربع سنوات سجناً نافذاً، بعد طعن الوكيل العام للملك على حكم براءة سابق.
تعد هذه الفاجعة جرس إنذار قوي يسلط الضوء على ضرورة تشديد الرقابة على المواد الخطرة، وتكثيف الحملات ضد المتاجرين بالكحول المغشوش. كما تثير الحادثة أسئلة عميقة حول ضرورة تبني مقاربات اجتماعية وإنسانية أكثر واقعية لإنقاذ فئة المشردين من براثن الإدمان والتهميش، قبل أن تتحول شوارع المدينة مرة أخرى إلى مسرح لمآسٍ مماثلة.















