ينعقد غدا المؤتمر الجهوي لمنظمة شباب الأصالة والمعاصرة، أكيد أنه سيمر في أجواء جد إيجابية كما ستتعالى الشعارات والهتافات وتلتقط الصور وتوزع الجرائد والصفحات الفيسبوكية، وفي اليوم التالي ينسى الحدث ونقرأ من ينتقد الأشغال والمشاريع بجليز، ومن يتبنى مشاريع الهيكلة بتسلطانت، ومن ..، ومن ..، في سردية سياسية هدفها السيطرة على الانطباع الشعبي، من خلال ترسيخ فكرة أن فاطمة الزهراء المنصوري لم تحقق ما ينتظر منها، وبالمقابل ستشتد الدعاية السياسة على طارق حنيش في حرب سياسية مدروسة هدفها كبح عجلات التراكتور في موسم ممطر ينبأ بسنة فلاحية جيدة، كما فعل بوعشرين بعد المجلس الوطني للحزب، لهذا يبقى الميدان هو الرهان الحقيقي لربح المعركة الانتخابية التشريعية.
إن طموح فاطمة الزهراء المنصوري لا يتمثل فقط في تجديد الهياكل أو ضخ دماء شابة، وإنما في ضمان معادلة انتخابية واضحة: مقعد برلماني في كل دائرة انتخابية بالجهة، بما يمنع تكرار سيناريو 2021 حين تمكن حزب الاستقلال من التقدم بمقعد على البام داخل الجهة، مستفيدا من فراغات تنظيمية واستقطابات ظرفية أربكت التوازن التاريخي للأصالة والمعاصرة في جهة مراكش أسفي.
وفي قلب هذا الرهان تبرز دائرة المدينة سيدي يوسف بن علي باعتبارها ليست مجرد دائرة انتخابية عادية ولكن اختبارا سياسيا مباشرا للمنصوري، فهي تدرك أن المعركة هنا ليست معركة مقعد فقط وإنما معركة شرعية شعبية داخل مجالها الانتخابي الطبيعي، وضمن فضاء من المفترض أن يمنحها الدفعة السياسية اللازمة لاستكمال مسارها الحكومي بثقة أكبر، فخصوصية هذه الدائرة تكمن في كونها فضاء حضري واجتماعي حساس، يعكس نبض الطبقات الشعبية والهامشية، ويجعل أي اكتساح فيها إعلانا سياسيا قويا عن امتلاك الشعبية الفعلية، وليس مجرد الشرعية المؤسساتية، لكن هذه المرة لا تدخل المنصوري المعركة كما دخلتها في سياقات سابقة، لأنها تواجه امتحانا أكثر تعقيدا: فهي تدخل دائرة كان حزبها يسير فعليا مقاطعتين (المدينة وسيدي يوسف بن علي) إضافة إلى جماعة تسلطانت، أي أن الناخب لن يصوت هنا على الوعود بل على الحصيلة، وعلى الوفاء بالتزامات التدبير المحلي، وعلى ما تحقق فعلا داخل هذه المجالات التي كانت تحت مسؤولية الحزب.
ومن ثم، فإن أي نتيجة دون الاكتساح ستُقرأ كإشارة سياسية قد تستثمر من الخصوم لإضعاف موقع المنصوري داخل المشهد السياسي العام، أو للتشكيك في قدرتها على قيادة المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، يتعزز رهان المنصوري على أسماء شابة وازنة داخل الدائرة واقع محتوم لا مزايدة فيه، ولأول مرة سنذكر الأشياء بمسمياتها دون مركب نقص عماد وعبد العزيز ليس فقط عنصرين عاديين داخل تنظيم حزب البام، ولكن من يعرفهما جيدا يدرك أنهما وزنين انتخابيين ثقيلين في ميزان دائرة المدينة سيدي يوسف بن علي ، لأنهما يشكلان وفق ما يمكن توصيف (intermediary actors)، أي أولئك الذين يمتلكون القدرة على الوساطة وتحويل الرأسمال المجتمعي إلى أصوات، وربط المركز الحزبي بالهوامش الاجتماعية عبر شبكات محلية دقيقة، وهذا ما يمنحهما وظيفة سياسية تتجاوز حدود العضوية الحزبية التقليدية نحو هندسة التعبئة الميدانية وإنتاج الثقة داخل الأحياء الشعبية.
لقد اضطلع كل منهما بأدوار محورية في استحقاقات 2015 و2016 ثم 2021، وهي محطات جرت في سياقات سياسية شديدة التعقيد، خصوصا في مرحلة كان فيها حزب العدالة والتنمية يحقق اكتساحا شبه شامل لمعظم الدوائر مستفيدا من موجة سياسية وطنية صاعدة آنذاك، ومع ذلك استطاعا بحكمة تنظيمية وذكاء ميداني كبير، تدبير التوازنات الانتخابية الدقيقة داخل أحياء المدينة ودروب سيدي يوسف بن علي، ما مكنهما من لعب دور كبير في الحفاظ على موقع الحزب في لحظة كان فيها المزاج العام يميل نحو التصويت الاحتجاجي أو الانجذاب إلى الخطاب الشعبوي السائد.
ومن هنا، فإن رهان المنصوري عليهما اليوم يتجاوز منطق الدعم الظرفي ليصل إلى مستوى بناء دعامتين سياسيتين صلبتين يمكن أن تستند إليهما في معركة الخفاظ على الشرعية الشعبية داخل دائرة المدينة سيدي يوسف بن علي، شريطة أن يبدأ الاشتغال من الآن وفق استراتيجية استباقية واضحة، تستلهم خططهما السابقة في تدبير الانتخابات، وتقوم على إعادة بناء الثقة الميدانية، وتأطير القواعد المحلية، وضبط التحالفات الدقيقة داخل المجال الحضري الشعبي.
كما أن توسيع مجال اشتغالهما ليشمل جماعة تسلطانت يبدو جزءا من عقلنة الهندسة الترابية للصراع، باعتبار هذه الجماعة إحدى النقاط التي يحاول الثعلب السياسي تحصينها من خلال استقطابات محسوبة، بما يجعل السيطرة على هذه الجماعة ضرورة لتأمين المجال الانتخابي الأوسع، في حين أن جماعة المشور القصبة تبدو أكثر استقرارا في ميزان الحزب بفعل الضمانات التنظيمية التي يوفرها حضور عبد الرحمن الوفا داخلها.
لهذا، يعتبر حضور هذين العنصرين غدا ضروريا للغاية، إذ أن منحهما زخما سياسيا داخل أجواء المؤتمر سيؤدي إلى تأثير مزدوج: أولا، قطع الطريق على أي محاولات استقطاب أو منافسة تستهدفهما، وثانيا، إرسال إشارة قوية وواضحة على أن حزب الأصالة والمعاصرة له الخلف من الشباب القادر على تثبيت موازين قوة الحزب داخل معقله الانتخابي.















