كريم الزهراوي
يشهد منجم الحويفرات التابع للمجمع الشريف للفوسفاط في إقليم اليوسفية حالة من الغليان الاجتماعي المتزايد، نتيجة ما يصفه السكان المحليون بانعدام تكافؤ الفرص في عمليات التوظيف. إذ يتهم العديد من أبناء المنطقة المؤسسة بانتهاج سياسة التمييز والمحسوبية في اختيار المرشحين، بعيدًا عن معايير الاستحقاق والشفافية.
فبدلًا من اعتماد مباريات نزيهة تتيح الفرصة للمؤهلين من أبناء الإقليم، يُلاحظ تزايد الاعتماد على العلاقات الشخصية والولاءات، ما يعمق شعور الإقصاء والظلم لدى الشباب العاطلين. وقد ترجم هذا الغضب الشعبي إلى سلسلة من الاعتصامات والاحتجاجات المتواصلة أمام إدارة الفوسفاط ومعمل التنشيف، حيث يطالب المحتجون بحقهم المشروع في الولوج إلى سوق الشغل بشكل عادل ومتساوٍ.
ولا تقف معاناة سكان اليوسفية عند حدود البطالة والتهميش، بل تمتد لتشمل أوضاعًا بيئية وصحية تنذر بالخطر. فالإقليم يعاني من تلوث بيئي خطير، تفاقم بفعل العشوائية في تنفيذ مشاريع البنية التحتية، خاصة بمنطقة الكنتور، وتحديدًا في الوادي الحار والقنطرة. إذ تُنفذ هذه المشاريع دون دراسات بيئية كافية، أو تخطيط مدروس يراعي التأثيرات المحتملة على البيئة وصحة المواطنين.
وقد أثّر هذا الوضع بشكل مباشر على المؤسسات التعليمية، لا سيما مركز سيدي أحمد، حيث أدى التلوث وتدهور البيئة إلى عرقلة العملية التعليمية، وتهديد سلامة التلاميذ والأطر التربوية، في ظل غياب تدخل فعّال من الجهات المختصة.
ويُضاف إلى هذه الإشكالات، معضلة الروائح الكريهة التي تنبعث ليلاً من مطرح الغشيوة ومعمل الفوارات، والتي تحرم السكان من الراحة، وتتسبب في أمراض تنفسية مزمنة، ما يؤثر سلبًا على جودة حياتهم اليومية.
إن استمرار هذا الوضع المزري يعكس غياب رؤية استراتيجية لدى الجهات المسؤولة، سواء على المستوى المحلي أو المركزي، لمعالجة المشاكل المتراكمة التي تؤرق سكان الإقليم. فالتوظيف حق دستوري يجب أن يُكفل على أساس المساواة والشفافية، كما أن العيش في بيئة نظيفة وسليمة هو من مقومات الحياة الكريمة.
وفي هذا الإطار، تتحمل المؤسسة الأم، المجمع الشريف للفوسفاط، مسؤولية اجتماعية وأخلاقية جسيمة تجاه أبناء المنطقة، باعتبارها الفاعل الاقتصادي الأكبر والمستفيد الأول من موارد الإقليم. ويُنتظر منها أن تنخرط بجدية في خلق فرص شغل لائقة، وتحسين الظروف المعيشية، وحماية البيئة من خلال مشاريع مستدامة تراعي المعايير الدولية في الصحة والسلامة.
إن تجاهل هذه المطالب سيؤدي إلى مزيد من الاحتقان الاجتماعي، ويهدد الاستقرار والسلم المحلي. وعليه، فإن الوضع الراهن يتطلب تدخلًا عاجلًا من جميع المتدخلين: السلطات، المؤسسات المنتخبة، المجتمع المدني، والقطاع الخاص، لوضع حد لهذا النزيف التنموي، والسير قدمًا نحو إقليم منصف، مزدهر، ونموذجي في التنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية.
تحقيق هذه الأهداف لن يتم إلا عبر إرادة سياسية حقيقية، وإصلاحات هيكلية تعيد الثقة للمواطنين، وتفتح المجال أمام أجيال جديدة تنعم بفرص متكافئة، وبيئة سليمة، وحياة كريمة.















