محمد الحجوي
في مشهد مأساوي، تحوّلت لحظات الحصاد في دوار الدشرة، التابع لجماعة الدشرة بقيادة أولاد بوعلي بإقليم قلعة السراغنة، إلى كابوس حقيقي، بعدما التهمت آلة درس ساق فلاح خمسيني يُدعى “ع.ب.د”، وسط ذهول الحاضرين.
الحادث وقع خلال استعمال إحدى الآلات الفلاحية التقليدية، التي انقلبت من أداة مساعدة إلى فخ قاتل، حين علقت قدم الضحية بين تروسها الحديدية المتحركة، ما تسبب في إصابة خطيرة استدعت بترًا عاجلًا للساق.
وبينما كانت الأرض تتهيأ لوداع موسمها، كانت صرخات الألم والدماء تروي تربة الحقل من نوع آخر. سارع الجيران لانتشال “ع.ب.د” من بين أنياب الآلة، وقد تمزق سرواله وتحول إلى خرقة غارقة في الدم، قبل نقله على متن سيارة عابرة نحو مستشفى السلامة الإقليمي، حيث حاول الطاقم الطبي إنقاذ ما يمكن إنقاذه. ورغم الجهود الطبية، لم يكن من بدّ سوى إيقاف النزيف، ليبدأ الرجل رحلته مع الإعاقة والتأقلم مع واقع جديد لم يكن في الحسبان.
ليست هذه الواقعة مجرد حادث عرضي أو قضاء وقدر، بل ناقوس خطر يقرع بقوة، ويكشف هشاشة شروط العمل في الوسط القروي، حيث ما تزال الآلات الفلاحية تُستخدم دون صيانة أو رقابة، ودون أدنى تكوين على الاستعمال الآمن. إنها قنابل موقوتة تتحرك بين الحقول، وقد تتحول في لحظة إلى أدوات موت، وسط غياب شبه تام لأي سياسة واضحة للسلامة المهنية في العالم القروي.
وفي ظل غياب المؤسسات، برز الحس الإنساني لسكان الدوار، الذين بادروا بإطلاق حملة تضامنية لدعم “ع.ب.د” ومساعدته على مواجهة مصاريف العلاج والتأهيل، في مشهد يعكس حجم التضامن داخل هذه المجتمعات. لكن رغم هذا الالتفاف الشعبي، يظل السؤال معلقًا: أين الجهات المعنية؟ وأين السياسات التي تضمن الحق في العمل الآمن لهؤلاء الذين يطعمون البلاد من تعبهم اليومي؟
ما جرى مع “ع.ب.د” ليس استثناء، بل جزء من سلسلة حوادث متكررة يشهدها كل موسم حصاد في القرى المغربية. حوادث تُسجّل تارة كأخبار عابرة، وتارة تُطوى في صمت المقابر، فيما تستمر العجلات بالدوران فوق جراح الفلاحين، دون أن يتحرك من بيدهم القرار. فإلى متى ستُقاس السلامة بالحظ؟ ومتى يتحول الحصاد من موسم جني إلى موسم نجاة؟















