براهيم أفندي
احتضنت ولاية جهة مراكش–أسفي سلسلة من اللقاءات التفاعلية في إطار المشاورات الترابية للجيل الجديد، تحت إشراف والي الجهة، وبمشاركة فاعلين مؤسساتيين ومدنيين وخبراء. وقد خُصصت هذه اللقاءات لملفات حيوية تشكل عمق السياسات العمومية، وعلى رأسها التعليم والصحة والتشغيل والبيئة، في محاولة لإعادة بناء مقاربة تشاركية أكثر قربا من انتظارات المواطنين.
ورغم أهمية المبادرة ودلالاتها، يطرح مسار المشاورات عددا من التساؤلات حول طبيعة المشاركة وعمق النقاش. فرغم أن فتح المجال للحوار حول قضايا بهذا الوزن يُعد خطوة إيجابية تعكس إرادة للتجديد المؤسساتي، إلا أن جزءاً من النقاش طغى عليه الطابع التقني والمقاربات الجاهزة، ما جعل بعض المداخلات تبدو أقرب إلى تمرين في التشخيص المعتاد أكثر من كونها لحظة لاقتراح حلول عملية قابلة للتنفيذ.
وعلى الرغم من أن الورشات تناولت إشكالات يعيشها المواطن يوميا، فإن المخرجات لم تخرج كثيراً عن الخلاصات التي تتداولها التقارير الرسمية منذ سنوات. أما الانتقال نحو مقترحات دقيقة، مؤطرة بآجال ومسؤوليات واضحة، فظل محدودا، مما أضعف الإحساس بأن هذه اللقاءات تشكل جسراً فعلياً نحو قرار عمومي جديد.
ومن جانب آخر، بدا الحضور الشعبي أقل من المتوقع مقارنة بحجم الجهة وتنوع مكوناتها الاجتماعية. فالنقاش، رغم انفتاحه على الفاعلين المعنيين، كان يحتاج إلى حضور أوسع للشرائح التي تتقاطع يومياً مع أعطاب هذه القطاعات: الطلبة، العمال، الآباء، الأمهات، والأطر التربوية والصحية. فهؤلاء هم القاعدة التي تمنح لأي سياسة عمومية معناها وشرعيتها.
ويبقى التحدي الأكبر مرتبطاً بمرحلة ما بعد المشاورات: آليات التتبع، وإجراءات التنزيل، وميكانيزمات المحاسبة. فنجاح هذه الدينامية لا يقاس بحجم المداخلات ولا بنبرة التفاؤل، بل بقدرتها على تحويل توصيات الورشات إلى برامج محددة، بجدولة زمنية واضحة، وخطاطات تنفيذ قابلة للتقييم والمراقبة.
كمواطنة مشاركة، وفّرت لي هذه اللقاءات فرصة للاطلاع والتفكير، لكنها لم تمنح الإحساس الكامل بالقدرة على التأثير. فبين شعور بالاعتزاز بانفتاح المؤسسات على النقاش، برزت الحاجة إلى تعزيز المشاركة الشعبية، وإتاحة فضاءات حوار حقيقية تتجاوز الطابع الشكلي، وتضمن انتقالاً فعلياً من التشخيص إلى الفعل.
ورغم أن المشاورات الترابية للجيل الجديد تشكّل خطوة مهمة في مسار تجديد منهجية إعداد السياسات العمومية، إلا أنها تبقى بداية تحتاج إلى ترسيخ وتطوير. فالقيمة الحقيقية لهذه المبادرة ستتجلى حين تتحول إلى منصة مستدامة، تُترجم فيها أصوات المواطنين إلى قرارات واضحة، وتتحول فيها المقترحات إلى واقع ملموس يعيد الثقة في مسار التنمية.
فمستقبل التخطيط العمومي لن يُصنع داخل فضاءات النقاش فقط، بل بقدرة هذه اللقاءات على بناء مسار تنفيذي فعّال يُشرك المواطن حقاً، ويجعل رأيه جزءاً من القرار لا مجرد صدى له.
مواطنة مغربية مشاركة















