عندما يتعرض جسم الإنسان لهجوم من طرف بعض البكتيريات أو الأجسام الغريبة، لا يبقى في حالة سكون، بل يطلق فورا آلياته الدفاعية الداخلية، فتتعبأ الكريات البيضاء باعتبارها خط الدفاع الأول، تتحرك بسرعة نحو موضع الخطر، تحاصر العدوى، وتحاربها وتمنعها من الانتشار داخل الجسد، إنها استجابة طبيعية تعكس منطق البقاء: فالكائن الحي لا يسمح للتهديد أن يتغلغل دون مقاومة.
وبهذا المعنى، يمكن فهم سلوك حزب الأصالة والمعاصرة حين يتعرض للاستهداف السياسي أو الإعلامي، إذ تتعبأ طاقاته الداخلية وينخرط شبابه ونساؤه ومناضلوه في الدفاع عن صورته ورموزه، باعتبار ذلك رد فعل تنظيمي طبيعي من طرف حزب – روحه قوية- لحماية الكيان من محاولات التشويه أو الإضعاف، غير أن السؤال الأعمق ليس في التعبئة ذاتها، بل في طبيعة الاستهداف: فإذا كان الحزب يتحرك بهذه الحيوية حين تمس بعض قياداته، فكيف سيكون الحال إذا ما استهدف قلبه السياسي ومشروعه الاستراتيجي مستقبلا من الداخل وفي لحظة قد تكون مفصلية من مساره السياسي؟
طالما أردنا الإنزواء بعيدا عن التدخل في الشؤون الداخلية للأحزاب، وعيا منا أن مطابخ المنازل لا يدخلها الغرباء احتراما وتوقيرا لأهل البيت، وجعلنا هذا الأمر مبدءا راسخا لنا في تحليل الشأن السياسي العام والمحلي، إلا أن هذه المرة لم تسعفنا أناملنا لأن ما نراه لا يكفي لتجرعه كوب ماء ولو جربنا مرارا وتكرارا و لو استنفذنا خزينة السدود مجتمعة، لأن العبث لا يستساغ بسهولة وقلة حياء الوجوه لاتزينها أرقى مساحيق التجميل.
ونحن نطالع المسيرة السياسية لقياديي حزب الأصالة والمعاصرة، يتبين أن أغلبهم، بل جلهم، راكموا تجربة سياسية ونضالية واسعة قبل تقلدهم هذه المسؤوليات الحزبية وبلوغهم هذه المكانة التدبيرية داخل المشهد الوطني، ومن هنا نؤكد دائما أن لا خوف على حزب سياسي يمتلك مدرسة سياسية حية ومتجددة، قادرة على إنتاج النخب وصناعة القيادات، فالمشعل في مثل هذه التنظيمات لا يسقط أرضا أبدا، لأن جوهر الفعل السياسي منذ نشأته الأولى قائم على الاستمرارية والتراكم وتجدد الأدوار عبر الأجيال.
فعندما نسمع فاطمة الزهراء المنصوري وهي تحكي على مسيرتها السياسية منذ الأيام الأولى لبلورة فكرة حركة لكل الديمقراطيين فنحن نقف احتراما وتقديرا لهذا المسار السياسي الكبير والذي زاده تشريفا ذكره من قبل عاهل البلاد بمناسبة تهنئتها على إثر انتخابها منسقة للقيادة الجماعية للأمانة لحزب الأصالة والمعاصرة، أما عندما نذكر اسم سمير كودار رئيس قطب التنظيم و رئيس جهة مراكش أسفي فمباشرة يتبادر إلى ذهننا المقاتل سبارتاكوس الذي يعد رمزا عالميا للحرية ومقاومة الظلم والتضحية، فالحروب السياسية المتتالية التي قادها كودار وفاز بها ضد الأمناء العامون السابقون لحزب البام تدفعنا للظن أن له 7 أرواح سياسية، ومع ذلك خفض جناحيه أمام المسيرة السياسية احمد اخشيشن السياسية وانتظر ليخلفه على رأس الجهة، أما الدرس السياسي المتميز هو الذي قدمه مولاي هشام المهاجري بانضباطه السياسي والأخلاقي، فبعدما نسج خطابا سياسيا شعبويا ضاهى به خطاب حزب العدالة والتنمية ومكنه من اقتسام الشاشة السياسة الوطنية معهم، لم يذكر عليه أنه اشترط أو طلب استوزارا أو منصبا بل أكثر من ذلك لم نسمع له جهرا أو سرا أنه انتقد قرار تجميد عضويته و إنما بقي ملتزما حزبيا وسياسيا وأخلاقيا.
نعم، قد يتبادر إلى الذهن اسم طارق حنيش، الذي ارتقى بسرعة إلى موقع الأمين الجهوي رغم حداثة سنه وقصر تجربته التنظيمية داخل الحزب، غير أن هذا الصعود لا يمكن اعتباره حالة شاذة أو استثناء خارج القاعدة بقدر أنه نتيجة منطقية لسببين اثنين: أولهما، أنه لم يأت من تنظيم سياسي آخر، ولم يحمل معه رواسب الانتماءات السابقة أو اديولوجيات متناقضة مع مبادئ الحزب، وإنما اختار البام عن قناعة وتجرد رغم العروض الأخرى المغرية أكثر، مع تميزه بالرصانة الفكرية والعلمية والأذن الصاغية للجميع، وتلقيه للضربات المتكررة هي دلالة على استطاعته سريعا لترسيخ انتماءه، ثانيهما، أن قياديي البام داخل هذه الجهة لديهم صفات تعلو على صفة الأمين الجهوي، نذكر أن كودار رئيس قطب التنظيم و التويزي رئيس فريق البام بمجلس النواب، وإضافة إلى ذلك، فإن هذه الخطوة تحمل رسالة واضحة مفادها أن من اختار الحزب عن اقتناع صادق، وانخرط في مشروعه بروح الالتزام والانضباط، فإن الطريق تعبد أمامه تدريجيا، وتفتح له أبواب المسؤولية، ويمنح من الثقة ما يجعله شريكا في حمل المشعل وإعتلاء مقود التراكتور نحو المسؤوليات التنظيمية والعمومية.
وهنا وجب التأكيد أن الاستقطاب السياسي معمول به في الحياة السياسية في جميع بلدان العالم، فهو جزء من ديناميات الصراع على المشروع والهوية السياسية، لكن ما يميز الأحزاب التي تحترم مناضليها هو التدرج الطبيعي داخل الهياكل التنظيمية، خاصة الشبابية، الذي يتيح إنتاج النخب وصقل القيادات بدل الانزلاق نحو الانتهازية أو التموقع اللحظي، وهنا يمكن الإشارة إلى المدرسة الاستقلالية والزاوية البيجيدية كمثال على مدارس حزبية وفرت للشباب إطارا منهجيا للتدرج، واكتساب الخبرة، وتنمية الالتزام التنظيمي قبل الوصول إلى مواقع القرار، مؤكدة أن الاحترام للتدرج والمسار التنظيمي يرسخ صلابة الحزب وقدرته على مواجهة الاستهداف السياسي من داخل الحزب.
إن ما ذكرناه يأتي في مستهل حديثنا عن انعقاد المؤتمر الجهوي لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة بجهة مراكش آسفي، ليس لأننا نحب التطفل على البيوت التنظيمية، ولا لأننا نهوى مراقبة مطابخ القرار الحزبي، ولكن دافعنا في ذلك أنها لحظة سياسية دقيقة يصبح فيها الصمت نوعا من الخذلان لمبادئنا، وتغدو المجاملة ضربا من خيانة المعنى العميق للفعل السياسي الذي نسعد عند الغوص في تجلياته الظاهرة والخفية.
إن الشبيبة الحزبية في منطق الأحزاب الحية ليست ديكورا يؤثث تنظيم الحزب ولا دكانا انتخابيا يستأجر عند اقتراب الانتخابات، ولكن حسب العرف السياسي السليم هي الامتداد الطبيعي لمدرسة الحزب، ومجاله الحيوي لإنتاج النخب وصناعة القيادات التي تحمل المشروع وتؤمن به، لا تلك التي تقفز على ظهره قفز القطط على الموائد الجاهزة، وفي أول اختبار ينطون من ظهر السفينة تاركينها تواجه العاصفة مع أبناءها الأبرار، هذا إلم تكن لهم يد في خرق السفينة ورميها بالحجارة ، لأن من سهل عليه الولوج والارتقاء سهل عليه الانصراف، وفي الأول والأخير الأم يدافع عنها أبناءها وليس أبناء جيرانها، ولكن من سوء حظهم أن الانتخابات التشريعية تسبق الجماعية، لهذا من جد وجد ومن زرع حصد.
وهنا تحديدا يظهر الفرق بين من يجيء إلى الحزب حين تنضج الثمار وبين من كان حاضرا منذ زمن البذرة الأولى، بين من لبس عباءة الحزب في آخر الطريق وبين من نسجها بخيوط الصبر والانضباط والعمل الطويل.
إن المؤلم في هذه اللحظة بالذات أن بعض الوجوه تتعامل مع هذا المؤتمر الجهوي وكأنه سباق قصير نحو كرسي لارتداء البذلة الرسمية وربطة العنق و أخذ الصور والتباهي بها في وسائل التواصل الاجتماعي، لا محطة سياسية لإعادة بناء الشرعية الشبابية داخل التنظيم، وهنا تتقاطع الطموحات الصغيرة مع رهانات التنظيم الكبرى، وهنا يظهر كذلك الفرق بين من جاء متأخرا يحمل حماس اللحظة، وبين من ظل حاضرا منذ البداية يحمل ثقل التجربة ومعنى الالتزام.
للأسف نرى تسارعا محموما وضجيجا إعلاميا واستعراضا للولاءات وكولسة هنا وهناك، وكأن السياسة الشبابية أصبحت مسابقة في من يجيد التموقع ورفع الشعارات، ولا تعترف بمن راكم الالتزام التنظيمي في أوقات الأزمات والانتكاسات.
إن ما سبق أن عرضناه من قراءة لمسار قياديي حزب الأصالة والمعاصرة وشبيبته، يفتح الباب أمام استحضار معايير الاختيار الواعية لمناصب المسؤولية داخل الحزب، خاصة تلك التي تمس بالعنصر الشبابي والتنظيم الجهوي، ومن هذا المنطلق يبدو من الضروري التأكيد على أن رئاسة المنظمة الجهوية للشباب لا يمكن أن تترك للاعتبارات الشكلية أو التوازنات اللحظية، وإنما يجب أن ترتكز على معايير استراتيجية تسعى إلى ترسيخ القيم التنظيمية وإنتاج النخب القادرة على حمل المشروع السياسي بجدية ومسؤولية وبلا غدر كما قالت المنصوري : البام ماشي غدار .
في هذا الإطار، يبدو من الملائم أن يكون رئيس المنظمة الجهوية للشباب من العنصر النسائي، ومن خارج مدينة مراكش، لضمان توسيع رقعة تمثيلية المرأة داخل الحزب وتعزيز دورها السياسي والتنظيمي، سيرا على مبادئ الحزب وبعيدا عن أي حصر جغرافي أو محاصصة محلية قد تضعف الأثر التنظيمي لهذا الاختيار، كما أن رئاسة منظمة الشباب بعمالة مراكش يجب أن تمنح لشاب من أبناء منطقة سيدي يوسف بن علي، وذلك لاعتبارين رئيسيين: الأول، أن الحزب مدعو للرد على التساؤلات الوطنية حول دور الأحزاب في هذه المنطقة، التي شهدت أحداث احتجاجية ومظاهرات شبابية أظهرت فراغا تنظيميا (من جل الأحزاب) يحتاج إلى تغطيته، والثاني، أن هذه المنطقة تحظى بأهمية استراتيجية لدى الحزب، فهي تدخل ضمن الدائرة التشريعية لفاطمة الزهراء المنصوري، ويظل الحزب معنيا بتقوية حضوره فيها عبر عنصر شبابي قادر على استعادة الثقة وتنشيط التنظيم المحلي، بما يقوي تنظيم الحزب فيها، خاصة بعد الفراغ الذي تعيشه منذ عام تقريبا .
وبناء على ذلك، ينبغي أن يتم اختيار هذا الشاب وفق معايير محددة: وزن انتخابي معتبر، تاريخ نضالي موثق مع الحزب، نضوج فكري، وسجل شعبي يدعم قدرته على التأثير والمبادرة، مع قدرته على بناء جسور التواصل بين القواعد الشعبية والهياكل التنظيمية، لضمان استمرارية المشروع الشبابي وتعزيزه في كل مراحل العمل الحزبي، خاصة في ظل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة لأن في الأول والأخير المقاعد البرلمانية المحصلة هي التي تعطي الأريحية في المفاوضات وفي اتخاذ القرارات السياسية.
ختاما، إننا لا نعمم لأن شباب حزب الأصالة والمعاصرة عمومهم مخلصون يفتخر بهم الحزب ويشرف الحزب انتماؤهم له، يدافعون عن مبادئه وقياداته هم الكريات البيضاء للحزب ومناعته القوية، و لكننا في الوقت نفسه لا يمكن أن نتغاضى عن ظاهرة الانتهازية، حيث يصبح الشاب في حزب ويمسي في آخر، باحثا عن منفعة شخصية ضيقة ومكانة سياسية أو اجتماعية، متنقلا بين أيديولوجيات متناقضة من اليمين إلى اليسار، دون الالتزام بمبادئ الحزب والمشروع التنظيمي أو بقيم الانضباط والوفاء، إن مثل هذه الممارسات تضعف البنية الداخلية للأحزاب، وتهدد إنتاج النخب الصادقة القادرة على حمل المشعل السياسي، لذا يظل المعيار الأسمى للانخراط الشبابي هو الولاء للمشروع، والالتزام بالقيم، والعمل المثمر الذي يخدم التنظيم والدولة على حد سواء.
توضيح : إن كل ماقلناه هو مجرد رأي لا يلزم أحدا، ولكن نأمل أن قيادات حزب الأصالة والمعاصرة المستقبلية تحمل جينات المنصوري وكودار والمهاجري واخشيشن ..، وليس جينات بنكيران و لشكر وأخنوش، لأن في ذلك ضمانة لاستمرار الحزب وحماية مشروعه وهويته السياسية .















