تملالت.. عطشٌ يستمر رغم الخيرات السماوية

هيئة التحرير17 فبراير 2026
تملالت.. عطشٌ يستمر رغم الخيرات السماوية

محمد الحجوي

في إقليم قلعة السراغنة، وعلى بعد كيلومترات من منابع الأمل، تتربع مدينة تملالت كجوهرة مغربية أصيلة، لكنها اليوم تعيش مأساة صامتة تستنزف صبر ساكنتها. فها هي تملالت، التي أنعم الله عليها مؤخراً بغيثه وأمطاره، لا تزال ترزح تحت وطأة أزمة مزمنة من انقطاع الماء الصالح للشرب، وكأن السماء لم تمطر، وكأن الخيرات السماوية لم تلمس أرضها الطيبة.

المتتبع لأحوال هذه المدينة الوادعة يدرك فوراً أن المعاناة تتجاوز مجرد عطش الأبدان إلى إرهاق الأرواح. فمع كل نزلة مطرية كريمة، يحدو السكان الأمل في أن تحمل معها حلاً لهذا المشكل المستعصي، لكن سرعان ما يتبدد هذا الأمل مع عودة الانقطاعات المتكررة للمياه، لتعود الحياة إلى مربع المعاناة الأول، وكأن الأمطار لم تكن سوى وهمٍ جميل مرّ من هنا.

وإذا كان تساقط الأمطار يمثل في كل بقاع الأرض بشريات الخير والوفرة، فإنه في تملالت يتحول إلى مفارقة مؤلمة، إذ تغسل السماء وجوه الناس بالمطر، بينما تبقى حنفياتهم جافة لا تقطر. إنها صورة قاسية تجسد التناقض الصارخ بين فيض السماء وجفاف الأرض، بين كرم الطبيعة وبخل البنية التحتية.

ومع اقتراب شهر رمضان الفضيل، يتضاعف وجع السكان وقلقهم. فشهر الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو شهر تواصل وتكافل واجتماعات عائلية تمتد ساعاتها، وكلها مناسبات تزداد فيها الحاجة إلى الماء. فكيف لربات البيوت أن يدبرن شؤون الإفطار والسحور في ظل انقطاعات متكررة لا تعرف موعداً؟ وكيف للصائم أن يجد ماءً بارداً يطفئ ظمأ يوم طويل؟

المدينة التي يفترض أن تكون في مصاف المدن المغربية الأصيلة، باتت تئن تحت وطأة إهمال يطول أمده. فالمشكل لم يعد طارئاً، بل تحول إلى سمة ملازمة للحياة اليومية، يخطط السكان على إيقاعها جداولهم ومعيشتهم. وما زاد الطين بلة أن هذا الوضع يتكرر رغم توفر الموارد المائية، مما يطرح علامات استفهام كبيرة حول تدبير هذا المرفق الحيوي.

إن تملالت اليوم، على أبواب شهر الرحمة والغفران، ترفع صوتها عالياً، لا لتطلب معجزة، بل لتناشد المسؤولين التدخل العاجل لحل مشكل بات يهدد كرامة السكان وحقهم الأساسي في الحياة الكريمة. فالماء ليس ترفاً، بل هو شريان الحياة، وحرمان مدينة بأكملها منه يبقى جرحاً غائراً في جسد التنمية المحلية.

وفي زمن يتسابق فيه العالم نحو تحقيق الأمن المائي، تبقى تملالت تذكرنا بأن الطريق لا يزال طويلاً لتحقيق العدالة في توزيع الخيرات، وأن علينا جميعاً مسؤولية أخلاقية وإنسانية لرد الاعتبار لهذه المدينة ولأهلها الصابرين، الذين يستحقون أن يطفئوا ظمأهم بماء نقي في شهر الصيام والقيام.

شارك المقال
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة