عمر بنيطو… طائر الفينيق

Admin2420 مارس 2026
عمر بنيطو… طائر الفينيق

في السياسة كما في الأساطير هناك شخصيات قد تختفي من الواجهة لسنوات لكنها تعود في اللحظة المناسبة كأنها تنبعث من رمادها، هكذا يبدو مسار المحامي والبرلماني السابق عمر بنيطو أحد الوجوه التي صنعت حضورها السياسي بمدينة مراكش من باب حزب العدالة والتنمية قبل أن تزاح من الواجهة في لحظة تنظيمية مثيرة للجدل خلال انتخابات 2016.

آنذاك كان الأستاذ بنيطو مرشحا طبيعيا لاعتلاء اللائحة البرلمانية للحزب بالنظر إلى ما كان يحظى به من تعاطف واسع داخل قواعد الحزب، خصوصا بين شباب التنظيم، غير أن مسار الترشيحات داخل الحزب عرف تحولات مفاجئة، حيث لعب عمدة مراكش السابق العربي بلقايد دورا حاسما في إعادة ترتيب اللائحة بداعي الكولسة السياسية، في خطوة استغربها كثير من المناضلين والتي قطعت الطريق أمام الأستاذ بنيطو في اللحظة الأخيرة.

مرت السنوات .. وتغيرت موازين كثيرة داخل المشهد السياسي المراكشي، اليوم وبعد الحكم الابتدائي الذي طال العمدة السابق العربي بلقايد في أحد الملفات القضائية يعود اسم عمر بنيطو ليطفو مجددا على سطح النقاش السياسي كأحد أبرز المرشحين المحتملين لتمثيل حزب العدالة والتنمية في دائرة المنارة التشريعية في الاستحقاقات المرتقبة.

هذه العودة لا تقرأ فقط باعتبارها إعادة اعتبار لشخص سياسي أبعدته حسابات حزبية داخلية سابقة، وإنما أيضا كرهان تنظيمي داخل البيجيدي على ضخ دماء جديدة في جسم تنظيمه المحلي بمراكش، واستعادة جزء من الرصيد النضالي الذي تراجع خلال السنوات الأخيرة.

فحسب استقراء علمي للساحة السياسية فعمر بنيطو يمتلك ما يكفي من الرصيد السياسي والعلاقات التنظيمية لإعادة تعبئة جزء كبير من القاعدة الحزبية للمصباح والتي ابتعدت أو دخلت في حالة من الفتور بعد نتائج 8 شتنبر، فالرجل ظل محافظا على صورة المناضل الهادئ داخل الحزب والمحامي والحقوقي القريب من قضايا المواطنين، وهو ما يجعله قادرا على إعادة مد الجسور مع مناضلين قدامى وشباب الحزب على حد سواء.


في المقابل، استثنينا نائب العمدة السيد محمد توفلة لأن تجربته البرلمانية والتدبيرية السابقة لم تبلغ المراد منها، رغم جمعه بين عضوية البرلمان ورئاسة مقاطعة المنارة، وذلك في توسيع النفوذ الانتخابي للحزب داخل الدائرة الانتخابية، فقد ظل حضور الحزب مرتكزا أساسا على مجال ملحقة أزلي دون أن يتمكن من اختراق أوسع لباقي الأحياء بملحقات المقاطعة.


ولأن الشيء بالشيء يذكر تبقى ملحقة أزلي أحد المعاقل الانتخابية القوية للحزب في مقاطعة المنارة، وتشير مؤشرات ميدانية إلى أن هذه المنطقة لا زالت تحتفظ بالحنين إلى تدبير البيجيدي خلال المرحلة السابقة، ما قد يمنح الحزب أكثر من عدد أصوات 2016 لأن المنافسة فيها خالية من باقي التنظيمات الحزبية الأخرى كما سيبرز فيها التصويت العقابي بشكل واضح.
أما ملحقة إزيكي فهي تبدو للعيان مجالا مفتوحا لإعادة بناء نفوذ اللامبة الانتخابي، خاصة في ظل حالة التشرذم والانقسام التي تعرفها بعض مكونات الأحزاب المنافسة هناك، و عدم الرضى البادية في صفوف الفعاليات المدنية التي تجاوزت الوساطة السياسية ورفعت ملفاتها ومطالبها مباشرة إلى السيد والي الجهة مستغلة مناسبتين احتفاليتين اخرها عند تدشين الممر تحت الأرضي بإزيكي، هذه المعطيات الدالة تتيح لنا القول أن حزب العدالة والتنيمية لديه هامشا كبيرا لاستعادة جزء كبير من حضوره السابق في هذه الملحقة وذلك بالاستعانة بالملتحقون الجدد.


وضمن الخريطة الانتخابية للدائرة تبرز كذلك منطقة المسيرة والحي الحسني كأحد المفاتيح الحاسمة في أي سباق انتخابي، وتشير المعطيات الدقيقة إلى أن الدكتور طارق حنيش فقد في الآونة الأخيرة أبرز أذرعه التنظيمية في هذه المنطقة، ويتعلق الأمر بالسيد توفيق بولوجورالملقب بالحكيم، الذي يشكل ركيزة انتخابية مهمة هناك، والذي يعرف بخبرته الواسعة في الأمور الانتخابية، كيف لا وهو قائد الحملتين الانتخابيتين للبيجيدي لسنتي 2015 و 2016، ويبقى السؤال عن وجهته المستقبلية، فبالإضافة إلى سعي الحمامة إلى وضعه تحت جناحيها، فالمعطى الأصعب و غير المستبعد هو عودته إلى أحضان المصباح، وهذا قد يفتح المجال أمام الأستاذ عمر بنيطو لاستعادة جزء مهم من الكتلة الانتخابية في المسيرة والحي الحسني وهي منطقة قادرة وحدها على حسم جزء كبير من السباق نحو المقعد البرلماني إذا ما أعيد تنظيم العمل الحزبي فيها في إطار التكامل بين توفيق بولوجور ودينامو مقاطعة المنارة عادل المتصدق هذا الأخير الذي يجب أن يركز في اشتغاله على المقاطعة و ينأى بنفسه عن كل ما سيأثر على مساره السياسي…

أما المحاميد التي تعد بدورها مجالا انتخابيا كبيرا، فتشير المؤشرات كذلك إلى أن الدكتورطارق حنيش يواجه داخلها اختراقا سياسيا واضحا في صفوف قواعده، ما قد يضعف من تماسك كتلته الانتخابية التقليدية أثناء الحملة الانتخابية خاصة مع فقدانه لصمام الأمان بالمنطقة، ويبقى الاحتمال مفتوح لاستقطاب أبرز المنتخبين الباميين القدامى السابقين بالمحاميد، الأمر هنا يتعلق بالسيد مصطفى أيت عدي عضو مقاطعة المنارة والذي سيمكن الدكتور طارق حنيش من اكتساح ملحقة أسكجور و وضع قدم له في ملحقة أزلي ، وخلاف هذا فعدم دعم أي طرف سياسي هو القراءة السياسية الصحيحة التي يجب أن يتبعها أيت عدي في ظل عدم تقديم السنبلة لمرشح قوي.

من جهته، يواجه البرلماني عبد الرزاق أحلوش تحديا واضحا في مقاطعة المنارة، إذ رغم محاولاته الأخيرة لإيجاد موطئ قدم سياسي داخلها إلا أن حضوره فيها سيظل محدودا وسيبقى يراهن على المجال القروي فقط، خصوصا أن حزب الاستقلال يعتمد على نمط استراتيجي انتخابي تقليدي أصبح أقل قدرة على التكيف مع الاستراتيجيات الانتخابية الجديدة، بالمقابل قد يعاني سياسيا كثيرا بعد اتضاح الصورة وانكشاف الأوراق والمخططات ..

أما عبد الواحد الشفقي، فيبدو أنه يواجه بدوره صعوبة باستمرار فقدانه لدعم رئيس جماعة سعادة، الجماعة التي يناهز عدد سكانها حوالي 91 ألف نسمة، ويعتبر هذا المعطى مهما لأن هذه الجماعة تمثل إحدى حلقات الوصل الأساسية بينه وبين باقي الجماعات القروية الخمس الأخرى التابعة لدائرة المنارة، ما قد يضعف قدرته على الحفاظ على توازنه الانتخابي في المجال القروي.
ونرى أنه يتوجب عليه استقطاب نخب سياسية قوية وكفؤة، قادرة على إسناده في حملته الانتخابية، لأن الرهان اليوم لم يعد في تضخيم الوعود الانتخابية، وإنما في تقديم حصيلة البرلمان والمقاطعة بأشياء واقعية قابلة للقياس و تقنع المواطن بأن السياسة يمكن أن تنتج نتائج لا مجرد خطابات.

بما أن دائرة المنارة من أكبر الدوائر الانتخابية بالمغرب، إذ تضم حوالي 737 ألف نسمة في المجمل، وحيث نحو 522 ألف نسمة تتألف منها مقاطعة المنارة وحدها، إضافة إلى ست جماعات قروية تشكل امتدادا انتخابيا مهما للدائرة، هذا التنوع المجالي بين المجال الحضري والوسط القروي سيمنح الانتخابات في هذه الدائرة طابعا خاصا، حيث ستتداخل اعتبارات اجتماعية وإيديولوجية متعددة في تشكيل السلوك الانتخابي للناخبين.

فالطبقة المتوسطة الحضرية التي تشكل كتلة وازنة في المقاطعة تأثرت خلال السنوات الأخيرة بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، وفي هذا السياق قد يجد حزب العدالة والتنمية نفسه أمام فرصة لإعادة توظيف خطابه التقليدي القائم على خطاب المظلومية ومحاربة الفساد، والدعوة إلى الإصلاح و نقد التجربة الحكومية الحالية، إضافة إلى استغلال البعد الإيديولوجي المتمثل في التقارب الأخير بين حركة التوحيد والإصلاح و جماعة العدل والإحسان.
وعليه يبدو أن الأستاذ عمر بنيطو أقرب إلى أسطورة طائر الفينيق الذي ينهض من الرماد بعد أن ظن كثيرون أن زمنه قد انتهى، حيث إذا نجح في توحيد صفوف الحزب، واستعادة ثقة وقوة القواعد النضالية، واستثمار التحولات الاجتماعية والسياسية، فقد تتحول الانتخابات المقبلة في دائرة المنارة إلى واحدة من أكثر المفاجآت السياسية إثارة في المغرب.

للإشارة، آثرنا التحفظ عن تحليل منطقة سيدي غانم بطرفيها في هذا التحليل، فالسماء لا تزال تمطر والأرض ستخضر أكثر، غير أن ما ينبغي التذكير به هو أننا نعيش في مغرب المونديال ومراكش هي مدينة عالمية، والمرحلة المقبلة تتطلب بروفايلات في مستوى رهانات الوطن، لا مجرد من يكتفي بتلاوة الأسماء أو من يرفع يديه فقط للتصويت على ميزانيات بملايير الدراهم ..

هذا التحليل لم نبتغ فيه رفع أسهم البعض على حساب البعض الآخر، ولكن حسبنا أننا وضعنا بعض النقاط على بعض الحروف، ونبهنا إلى بعض الأمور التي يجب تداركها، وربما سنفصل أكثر في تحليلنا القادم وبأرقام حصرية ومعطيات دقيقة ..

الشكر موصول لجريدة “جامع الفنا بريس” على النشر والتجاوب الإيجابي دون قيد أو شرط.

شارك المقال
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة