تسييس الأشغال العمومية واستثمار الصورة في الدعاية السياسية المحلية

تسييس الأشغال العمومية واستثمار الصورة في الدعاية السياسية المحلية

يشهد المشهد السياسي المحلي بمدينة مراكش تحولات شادة في أنماط حضور الفاعلين السياسيين داخل المجال الترابي، حيث لم يعد تدبير وتتبع الأشغال العمومية حكرا على المصالح التقنية أو رئيس الجماعة أو المقاطعة ونوابهم المكلفون بالأشغال، ولكن أصبح الورش العمومي نفسه مجالا مفتوحا للحضور الرمزي والتواصل السياسي، سواء من طرف منتخبين أو فاعلين حزبيين غير منتخبين، هذا التحول يطرح إشكالية دقيقة تتعلق بحدود التمييز بين الاختصاص القانوني في التدبير وبين الاستثمار السياسي للصورة داخل الفضاء العمومي.

في الأصل، تعد الأشغال العمومية مجالا إداريا وتقنيا خالصا، تحكمه قواعد دقيقة في التدبير والتنفيذ والمراقبة، حيث تتكفل الجماعات الترابية عبر رؤسائها أو نوابهم ومصالحها التقنية، أو عبر شركات مفوض لها بتنفيذ الأشغال وفق دفاتر تحملات مضبوطة، ويظل الإطار القانوني كما حدده القانون التنظيمي 113.14 (خاصة المادة 66 منه) واضحا في توزيع الاختصاصات بين الأجهزة التداولية والتنفيذية، حيث يقتصر دور المنتخبين داخل المجالس المنتخبة على التداول واتخاذ القرار، بينما يسند التنفيذ والمواكبة التقنية إلى الرئيس ونوابه والمصالح الإدارية.

غير أن الواقع العملي يكشف عن توسع ملحوظ في حضور المنتخبين أنفسهم داخل الأواش العمومية المفتوحة، وذلك في إطار الحضور الإعلامي والتواصلي، فبعض المنتخبين المحليين أصبحوا يوظفون الزيارات الميدانية لمشاريع التزفيت أو التهيئة كجزء من خطابهم السياسي، من خلال التقاط الصور وتوثيق المتابعة الميدانية، وتقديم أنفسهم كفاعلين مباشرين في التنمية المحلية، رغم أن دورهم القانوني يظل محصورا داخل المجالس الترابية.

في المقابل برز أيضا حضور فاعلين حزبيين غير منتخبين في هذه الفضاءات حيث يتم تنظيم زيارات رمزية للأوراش العمومية التي قيد الإنجاز، مرفوقين بتغطية إعلامية وصور توثق هذا الحضور، هذا التداخل بين المنتخب وغير المنتخب داخل نفس المجال يجعل الأشغال العمومية تتحول من فضاء تقني إلى فضاء سياسي بامتياز، يعاد فيه إنتاج الشرعية عبر الصورة أكثر من القرار المؤسساتي.

ومن الناحية القانونية، يظل الفارق واضحا بين الفئتين: فالمنتخب الجماعي يستمد شرعيته من تفويض انتخابي يخول له ممارسة دور تداولي ورقابي داخل المؤسسة المنتخبة، دون أن يمنحه ذلك أي سلطة رقابة مباشرة على سير الأشغال، في حين أن الفاعل الحزبي غير المنتخب لا يتوفر على أي صفة قانونية داخل المنظومة التدبيرية للجماعة، ويظل حضوره في الورش مجرد حضور رمزي أو تواصلي لا يترتب عنه أي أثر قانوني أو إداري، غير أن هذا التمييز القانوني لا يمنع من وجود تقاطع رمزي بين الطرفين داخل الأوراش العمومية، حيث يتم استثمار الصورة كأداة مركزية في بناء الخطاب السياسي المحلي، وهذا غير مقبول البتة.

إن خطورة هذا التحول لا تكمن في مجرد إلتقاط الصور داخل الأوراش ولكن في إعادة تشكيل تمثلات الرأي العام حول من يملك فعليا سلطة التدبير والمراقبة، فحين يتم تقديم الزيارة الميدانية كدليل على المراقبة أو التتبع، سواء من طرف منتخب أو فاعل حزبي يحدث نوع من الالتباس بين الفعل السياسي والفعل الإداري.

إن ما بات يسجل من تحويل بعض الأشغال العمومية المتعلقة بالمجالس الترابية أو المؤسسات العمومية، إلى فضاءات للتنافس الانتخابي والاستعراض السياسي خارج أي تأطير مؤسساتي واضح، سواء من طرف منتخبين أو فاعلين حزبيين، لا يعد مجرد انزياح شكلي وإنما مساس مباشر بمبدأ وضوح الاختصاصات الذي يقوم عليه التدبير العمومي، فالورش العمومي ليس مجالا لإنتاج الصور أو توظيف المشاريع كأدوات للتواصل السياسي، بقدر ما هو فضاء لتنفيذ السياسات العمومية في إطار منضبط تحكمه المسؤولية القانونية والإدارية.

ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية يزداد حدة هذا التداخل بين الفعل السياسي والمؤسساتي ، حيث تتحول بعض الأشغال العمومية إلى مساحات مكثفة لإعادة إنتاج الخطاب السياسي واستباق الزمن الانتخابي، عبر توظيف الصورة والحضور الميداني كأدوات لتجديد الشرعية الرمزية وحملة انتخابية سابقة لأوانها، غير أن هذا الوضع إذا لم يضبط داخل حدوده القانونية والمؤسساتية قد يؤدي إلى تشويش واضح على وظائف التدبير العمومي، وخلط بين منطق التسيير اليومي للدولة ومنطق التنافس الانتخابي، ومن هنا تتأكد أكثر أهمية احترام الفصل بين المجالين، باعتبار أن الورش العمومي يظل فضاء محايدا يفترض أن يصان من أي استثمار سياسي ظرفي، خاصة في سياقات سياسية حساسة، بما يضمن نزاهة العملية الديمقراطية ووضوح المسؤوليات واستقرار الفعل العمومي.

وأمام هذا الوضع يصبح تدخل والي الجهة بصفته الضامن لاحترام الشرعية الإدارية وحسن سير الأشغال العمومية، ضرورة مؤسساتية لا تحتمل التردد، من أجل وضع حد لهذا الانزياح الخطير والعبث السياسي المستجد، من أجل إعادة الاعتبار لمنطق الدولة القائم على الاحترام الصارم للقانون وعدم الخلط بين السياسة والتسيير، بما يحفظ هيبة القانون ويصون مصداقية الأشغال العمومية.

التحليل القادم : قراءة تحليلية نقدية لمنتدى تحيين برنامج عمل جماعة مراكش

الشكر موصول للجريدة على النشر

Le master

شارك المقال
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة