بعد سنوات طويلة من الانتظار، يعود مشروع إعادة هيكلة دواوير الخدير الجديد وزمران والنزالة بجماعة تسلطانت إلى الواجهة، عقب توقيع اتفاقية جديدة السنة الماضية غشت 2025، لتمويل وإنجاز الأشغال، في خطوة يفترض أن تفتح الطريق أمام إخراج هذا المشروع إلى حيز التنفيذ، بعد أن ظل ملفه لسنوات محط انتظارات وتساؤلات الساكنة.
غير أن عودة المشروع إلى الواجهة تطرح، في المقابل، عدداً من الأسئلة المشروعة حول أسباب هذا التأخر، والجهات التي تتحمل مسؤولية تعثره، فضلاً عن كيفية التعامل معه في السياق الانتخابي الحالي، خصوصاً مع اقتراب استحقاقات 23 شتنبر 2026.
وتكشف الوثائق التي تتوفر عليها الصحيفة أن الأمر يتعلق تحديداً بـاتفاقية شراكة لتمويل وإنجاز أشغال إعادة هيكلة أحياء الخادير الجديد وزمران والنزالة بالجماعة الترابية تسلطانت، وليس بمجرد مشروع للتأهيل كما قد يوحي به بعض الخطاب المتداول. وتحمل الاتفاقية رقم 2025/218، فيما تمتد برمجتها للفترة 2025-2026.
كما تشير الوثائق إلى أن الكلفة الإجمالية للمشروع تصل إلى حوالي 340.87 مليون درهم، وهو ما يعكس حجم التدخل المرتقب وطبيعة الأشغال التي يفترض أن تعرفها الدواوير المعنية.
وتكتسي الاتفاقية أهمية خاصة بالنظر إلى تعدد الأطراف الموقعة عليها، حيث تضم وزارة الداخلية، ووزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ووزارة الاقتصاد والمالية، وجهة مراكش آسفي، وجماعة تسلطانت، والوكالة الحضرية لمراكش، وشركة العمران مراكش آسفي، والشركة الجهوية متعددة الخدمات مراكش آسفي، والمديرية الجهوية للإسكان وسياسة المدينة.
وبالتالي، فإن تقديم المشروع باعتباره حصيلة سياسية خالصة لجهة بعينها يحتاج إلى كثير من التدقيق، لأن الأمر يتعلق باتفاقية مؤسساتية متعددة الأطراف، كما أن المشروع نفسه ليس وليد المرحلة الانتخابية الحالية.
وإذا كانت الساكنة ترحب اليوم بإعادة تحريك هذا الملف، فإن من حقها في المقابل أن تعرف لماذا استغرق الوصول إلى هذه المرحلة كل هذه السنوات، ومن يتحمل مسؤولية التأخر في إخراج المشروع إلى التنفيذ.
وهنا تبرز مسؤولية المجالس المتعاقبة على جماعة تسلطانت، ولا سيما المجلس السابق، الذي يفترض أن يقدم توضيحات للرأي العام المحلي حول مسار هذا الملف، والإجراءات التي اتخذها خلال فترة تدبيره، وأسباب عدم تنفيذ المشروع في الآجال التي كانت تنتظرها الساكنة.
ولا يعني ذلك تحميل المجلس وحده مسؤولية كل ما وقع من تأخر، ما دامت الاتفاقية تجمع عدداً من القطاعات والمؤسسات، غير أن موقع الجماعة كطرف رئيسي في الاتفاقية يجعل من حق المواطنين مساءلة مجالسها المتعاقبة عن مدى قيامها بالالتزامات المنوطة بها، وعن العراقيل التي واجهت المشروع، وكيفية التعامل معها.
كما أن المجلس الحالي بدوره مطالب بتقديم حصيلة دقيقة وشفافة، توضح ما الذي ورثه من المجالس السابقة، وما الذي أنجزه فعلياً في هذا الملف، وما هي الإجراءات التي اتخذها لتسريع التنفيذ، بدل الاكتفاء بتقديم الاتفاقية الجديدة باعتبارها إنجازاً مكتمل الأركان، في وقت أن المعيار الحقيقي لأي مشروع يظل هو انتقاله من الوثيقة إلى الورش ثم إلى الاستفادة الفعلية من طرف المواطنين.
وفي هذا السياق، يبرز أيضاً النقاش المرتبط باستغلال المشاريع العمومية، وخاصة المشاريع ذات الطابع الملكي، في الخطاب السياسي والانتخابي. فمن غير المنطقي أن تتحول مشاريع الدولة إلى مادة للدعاية الانتخابية أو أن تنسب نتائجها إلى جهة سياسية واحدة، بينما تكشف الوثائق عن تعدد المؤسسات والقطاعات المشاركة في تمويلها وتنفيذها.
فالساكنة، التي انتظرت سنوات طويلة، لا تبحث عن الجهة التي ستوظف المشروع في حملتها الانتخابية، بقدر ما تبحث عن معرفة الحقيقة كاملة: من ساهم في إطلاقه؟ من تأخر في تنفيذه؟ من يتحمل كل مرحلة من مراحل المسؤولية؟ ومتى ستنطلق الأشغال فعلياً؟
والأهم من ذلك، أن إعادة الهيكلة المرتقبة تفتح ملفا حساسا يتعلق بالوضعية العقارية وحقوق ذوي الحقوق، خصوصاً أن المشروع يتضمن أشغالاً مرتبطة بالطرق والتجهيزات والمرافق العمومية والمساحات الخضراء وملاعب القرب، وهي مكونات قد تتطلب تعبئة عقارات أو إعادة ترتيب استعمالات بعض الأراضي.
ومن هنا، تطرح الساكنة أسئلة جوهرية يفترض أن تحصل على أجوبة واضحة عنها قبل انطلاق الأشغال، وفي مقدمتها: من سيتحمل مسؤولية تعويض ذوي الحقوق؟ وما هي الجهة التي ستحدد قيمة التعويضات؟ وما هي المعايير المعتمدة في ذلك؟ وهل سيكون التعويض مالياً أم عينياً؟ وإذا كان عينياً، فأين سيتم توفير الأراضي البديلة؟
كما يتعين توضيح ما إذا كانت الأراضي المخزنية أو العقارات المقترحة ستدخل ضمن هذا الحل، وما هي الوضعية القانونية للعقار الذي يتم تداوله في هذا السياق، والذي يحمل رقم الصك العقاري 15145، وما إذا كان سيخصص فعلاً لهذا الغرض أم لا.
وهذه النقطة بالذات تستوجب توضيح رسمي من جماعة تسلطانت وباقي المتدخلين، لأن الساكنة المعنية لا ينبغي أن تكتشف، بعد انطلاق الأشغال، أن طرقاً أو ملاعب أو مساحات خضراء أو مرافق عمومية ستقام فوق عقارات أو منازل لم تتم تسوية وضعيتها أو تحديد مصير أصحابها وذوي الحقوق المرتبطين بها.
كما يطرح السكان سؤالاً آخر لا يقل أهمية يتعلق بالوثائق والتصاميم العمرانية: هل تم إعداد تصميم واضح لإعادة هيكلة الدواوير المعنية؟ وهل تم عرضه على سبورة الإعلانات بالجماعة وتمكين الساكنة من الاطلاع عليه؟
فمن حق المواطنين أن يعرفوا مسبقاً كيف ستتم إعادة هيكلة أحيائهم، وأين ستمر الطرق، وأين ستقام المرافق العمومية وملاعب القرب والمساحات الخضراء، وما هي العقارات التي ستتأثر بهذه العمليات، وما هي التدابير التي سيتم اتخاذها لحماية حقوق أصحابها.
وإذا كانت الجماعة قد التزمت بموجب الاتفاقية بتنفيذ عدد من المكونات، فإن مسؤوليتها لا تقتصر على مواكبة الأشغال، وإنما تشمل أيضاً التواصل مع الساكنة وتقديم المعطيات الضرورية حول مستقبل الدواوير المعنية، خصوصاً في الملفات التي تمس الملكية والعقار وإعادة الإسكان أو التعويض.
إن مشروع إعادة هيكلة الخادير وزمران والنزالة ليس مجرد ورش عادي يمكن اختزاله في صور التوقيع أو البلاغات الانتخابية، بل هو مشروع انتظرته الساكنة لسنوات، وتترتب عنه التزامات مالية وعقارية وعمرانية واجتماعية كبيرة.
ولهذا، فإن المطلوب اليوم هو وضع حد للخطاب السياسي حول المشروع، والانتقال إلى مرحلة الوضوح والمساءلة: كشف أسباب التأخر، وتحديد المسؤوليات، وتوضيح وضعية التصاميم، وحسم ملف العقار والتعويضات، وتحديد آجال الإنجاز، ثم محاسبة كل طرف على مدى احترامه للالتزامات التي تعهد بها.
أما تحويل مشروع ذي طابع ملكي ومؤسساتي إلى ورقة انتخابية أو تقديمه كحصيلة حصرية لمجلس أو جهة سياسية، فإنه قد يحجب السؤال الحقيقي الذي تنتظر الساكنة الإجابة عنه: لماذا تأخر المشروع كل هذه السنوات، ومن يتحمل مسؤولية ذلك، وكيف ستضمن جماعة تسلطانت اليوم ألا يكون هذا المشروع مجرد عنوان انتخابي جديد، وإنما إعادة هيكلة فعلية تنهي معاناة سكان الخادير وزمران والنزالة وتحفظ في الوقت نفسه حقوقهم العقارية والاجتماعية؟















