تسلطانت.. من يتحمل مسؤولية تعثر التنمية؟ تساؤلات حول تسليم مشاريع العمران قبل اكتمالها

هيئة التحرير28 أغسطس 2026
تسلطانت.. من يتحمل مسؤولية تعثر التنمية؟ تساؤلات حول تسليم مشاريع العمران قبل اكتمالها

تسلطانت، التي كان يفترض أن تكون اليوم واحدة من أهم المجالات العمرانية الصاعدة بضواحي مراكش، تبدو في أجزاء واسعة منها وكأنها عالقة في الزمن، بعدما تحولت مشاريع التهيئة وإعادة الهيكلة التي كان يعول عليها لتغيير واقع عدد من الدواوير إلى أوراش غير مكتملة، وطرق متعثرة، وأزقة تنتظر التبليط، وتجهيزات عمومية غائبة، وتجزئات سكنية حديثة تفتقد في عدد من جوانبها إلى مقومات التأهيل الحضري.

خلف هذا الواقع، تبرز قضية أساسية أصبحت اليوم في صلب النقاش المحلي: قرار مجالس جماعة تسلطانت، توقيع التسليم النهائي لفائدة شركة العمران قبل استكمال عدد من مشاريع التهيئة والتجهيز، وهو القرار الذي تعتبره فعاليات بالمنطقة السبب الرئيسي في الوضع الذي تعيشه الجماعة حاليا، بعدما أصبح من الصعب، عقب مغادرة الشركة والمقاولات المكلفة بالأشغال، ضمان استكمال الالتزامات التي كان يفترض أن تنتهي بها تلك المشاريع.

فالتسليم المؤقت أو النهائي لأي مشروع ليس مجرد إجراء شكلي، بل محطة يفترض أن تعكس انتهاء الأشغال والوفاء بالالتزامات المتفق عليها، أو على الأقل أن تكون وضعية المشروع واضحة ومضبوطة من خلال محاضر رسمية تحفظ حقوق جميع الأطراف. ومن هنا، فإن التساؤل الذي يفرض نفسه في تسلطانت هو: لماذا تم الانتقال إلى مرحلة التسليم النهائي في وقت كانت فيه أشغال التهيئة والتجهيز، وفق المعطيات المتداولة محلياً، لم تستكمل بعد؟

هذا السؤال يكتسي أهمية خاصة لأن نتائج ذلك القرار أصبحت، بحسب فعاليات محلية، واضحة على الأرض اليوم وكارثية على الساكنة.

فدواوير مثل كوكو، الهبيشات، الهنا، الكواسم، سيدي موسى، ودوارالسلطان والخويمات.. وغيرها من المناطق المشمولة ببرامج إعادة الهيكلة والتأهيل، لا تزال تعرف اختلالات مرتبطة بعدم اكتمال الطرق والأزقة والتبليط والإنارة والتجهيزات والمساحات الخضراء، في وقت كان يفترض أن تكون هذه المناطق قد قطعت منذ سنوات مرحلة التأهيل نحو الاستقرار العمراني الكامل.

وفي الهبيشات مثلا، تظل إشكالات التسوية العقارية والتعويض وإعادة الهيكلة حاضرة، بينما تظهر في بعض التجزئات السكنية الحديثة بنايات عشوائية عالقة ومظاهر عمرانية غير منسجمة مع ما يفترض أن تكون عليه مناطق حديثة التهيئة مع تحول مساحات خضراء الى بقع ارضية ومباني سكنية.

وهنا تحديداً تتضح خطورة التسليم المبكر، بحسب تصريحات فاعلين جمعويين وساكنة المناطق المعنية: فعندما يتم إغلاق ملف المشروع وتسلمه قبل استكمال جميع التزاماته، يصبح إلزام الجهة المنفذة باستكمال ما تبقى أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا غادرت الشركة المنطقة وانتهت تدخلات المقاولات المكلفة بالأشغال.

وهذا ما تعتبره أصوات من داخل تسلطانت جوهر المشكلة الحالية؛ فبدلاً من أن تشكل برامج إعادة الهيكلة نقطة انطلاق لتنمية عمرانية متكاملة، انتهت أجزاء منها إلى مشاريع مبتورة، تركت وراءها مناطق سكنية قائمة لكنها تفتقر إلى عدد من مقومات المدينة.

ولا يمكن، في هذا السياق، تجاهل مسؤولية المجلس الجماعي السابق الذي كان يرأسه عبد العزيز دريوش، باعتبار أن قرار التسليم النهائي، إذا ثبت صدوره قبل اكتمال الأشغال، يدخل ضمن صميم مسؤولية التدبير الجماعي، ويستوجب توضيح الأسس التي اعتمد عليها المجلس في اتخاذه.

فالسؤال ليس فقط: لماذا لم تستكمل شركة العمران الأشغال؟ بل السؤال الأهم هو: لماذا تم منحها التسليم النهائي قبل أن تستكمل ما عليها من التزامات؟

وهل عاينت الجماعة فعلياً المشاريع قبل التسليم؟ وهل كانت جميع الطرق والأزقة والمساحات الخضراء والتجهيزات وملاعب القرب والانارة العمومية والربط بشبكة مياه الشرب قد أنجزت؟ وهل سجلت تحفظات رسمية؟ وإذا كانت هناك أشغال متبقية، فلماذا لم يتم ربط التسليم النهائي باستكمالها؟

ثم ماذا فعل المجلس بعد ذلك عندما ظهرت الاختلالات؟ هل وجه مراسلات رسمية إلى شركة العمران؟ هل طالبها بإتمام التزاماتها؟ هل اتخذ الإجراءات الإدارية والقانونية الممكنة؟ وهل تم توثيق إخلالات الشركة بالالتزامات في محاضر وتقارير رسمية؟

هذه الأسئلة تكتسب أهمية أكبر بالنظر إلى أن الجماعة تجد نفسها اليوم، حسب المعطيات المتداولة، مطالبة بمعالجة جزء من الخصاص الذي كان يفترض أن تتكفل به المشاريع الأصلية.

ويبرز مثال ملاعب القرب بشكل واضح؛ فبعد عدم إخراج عدد من التجهيزات المبرمجة إلى حيز الوجود، اضطرت الجماعة إلى تعبئة أو اقتناء عقارات جديدة لإنجاز ملاعب للقرب، وهو ما يطرح سؤالاً حول ما إذا كانت ميزانية الجماعة تتحمل اليوم تكلفة تصحيح اختلالات كان بالإمكان تفاديها لو تم التشدد في مرحلة التسليم.

والأمر نفسه يطرح بخصوص السوق النموذجي الذي كان مقرراً بمنطقة سيدي موسى، فضلاً عن المساحات الخضراء التي تم الاستيلاء عليها وكذلك التجهيزات الأخرى التي كانت جزءاً من برامج التأهيل وإعادة الهيكلة.

وبذلك، فإن ما تعيشه تسلطانت اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد تأخر في تبليط بعض الأزقة أو استكمال طريق هنا أو إنارة هناك، وإنما يتعلق، وفق هذه المعطيات، بمسار كامل بدأ بقرار إداري كان يفترض أن يأتي بعد اكتمال المشاريع، لكنه جاء قبل أوانه، لتجد الجماعة نفسها لاحقاً أمام مشاريع غير مكتملة وشركة ومقاولات غادرت المنطقة ومتضررين فقدوا منازلهم واراضيهم دون تعويض بعد اختفاء عدد من البقع الارضية المخصصة لهم في ظروف غامضة.

وبقدر ما تتحمل شركة العمران مسؤولية الوفاء بالتزاماتها التعاقدية، فإن المجلس الجماعي السابق يتحمل مسؤولية تدبيرية وسياسية في حال ثبت أنه منح التسليم النهائي دون اكتمال الأشغال، لأن حماية مصالح الجماعة والساكنة كانت تقتضي، في هذه الحالة، عدم إغلاق الملف قبل التأكد من تنفيذ الالتزامات كاملة.

أما المسؤولية القانونية، فلا يمكن الجزم بها صحفياً دون الاطلاع على محاضر التسليم والاتفاقيات والوثائق التقنية والإدارية ذات الصلة، لأنها وحدها الكفيلة بتحديد من وقع، ومن صادق، وما هي الأشغال التي كانت مكتملة أو متبقية، وما إذا كانت هناك تحفظات وإجراءات لاحقة.

لكن المؤكد أن واقع تسلطانت اليوم يفرض فتح هذا الملف بشكل جدي وشفاف، لأن استمرار دواوير غير مكتملة الهيكلة، وتجزئات سكنية تفتقد إلى تجهيزات أساسية، وطرق وأزقة لم تنته أشغالها، ومساحات وتجهيزات لم تر النور، لا يمكن أن يستمر دون تحديد الأسباب والمسؤوليات.

فالساكنة من حقها أن تعرف: هل كان التسليم النهائي المبكر هو الحلقة التي قطعت الطريق أمام استكمال هذه المشاريع؟ وهل أدى قرار الجماعة إلى تحرير شركة العمران من حضورها الميداني قبل إنهاء التزاماتها؟ ولماذا لم يتم استعمال كل الوسائل المتاحة لإجبارها على إتمام ما تبقى؟

إنها ليست مجرد أسئلة تقنية، بل أسئلة ترتبط بمستقبل جماعة بأكملها وبمصالح آلاف السكان، وتفرض اليوم تقديم أجوبة واضحة وموثقة، بعيداً عن تبادل المسؤوليات.

لأن تسلطانت لا تحتاج إلى تشخيص جديد بقدر ما تحتاج إلى كشف حقيقة ما حدث في مرحلة التسليم، وتحديد المسؤول عن القرار، وترتيب المسؤوليات، ثم إعادة إطلاق مشاريع التهيئة المتوقفة واستكمال ما بدأ قبل سنوات.

وإذا كان الهدف من برامج إعادة الهيكلة هو الانتقال بهذه الدواوير من وضعية التشتت والنقص في التجهيز إلى مجال عمراني منظم ومتكامل، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف تحولت تلك البرامج، بعد سنوات، إلى دواوير مبعثرة ومشاريع غير مكتملة وتنمية متوقفة؟

والجواب، بحسب ما تطرحه فعاليات بالمنطقة، يبدأ من محطة واحدة تستحق أن تخضع للتدقيق: التسليم النهائي الذي تم قبل اكتمال الأشغال.

شارك المقال
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة