السياسة هي التنمية فلا تكفي صورة في لقاء تواصلي، ولا تكفي مصافحة أمام عدسات الهواتف، ولا يكفي أن يقال إن المنتخب «قريب من المواطنين». السياسة في جوهرها مسؤولية وحصيلة، والانتخابات في معناها الديمقراطي ليست مناسبة لتجديد العهد على أساس الذاكرة القصيرة، وإنما لحظة للمساءلة: ماذا تحقق وماذا تغير في حياة الناس؟
ومن هنا السؤال موجها اليوم إلى عبد الواحد الشفاقي، رئيس مجلس مقاطعة المنارة والنائب البرلماني عن الدائرة، سؤالا مشروعا لا يستهدف شخصه بقدر ما يستهدف أداء المسؤول العمومي: ماذا قدمت فعلا لدواوير مقاطعة المنارة حتى تطلب من سكانها أن يمنحوك أصواتهم من جديد؟
السؤال ليس استفزازا انتخابيا، وإنما هو جوهر العملية الديمقراطية.
فالشفاقي ليس وافدا جديدا على المشهد المحلي فقد تولى مسؤولية رئاسة مقاطعة المنارة طيلة خمس سنوات كما أنه نائبا برلمانيا، و اسمه مرتبطا مباشرة بتدبير المجال الترابي للمنارة وبالتالي فإن مرور السنوات يمنح الناخب حقا أكبر في المطالبة بحصيلة واضحة قابلة للقياس وليست مجرد سردية سياسية عن القرب والتواصل.
فالمنتخب لا يقاس بعدد المكالمات التي يجيب عنها، وإنما بقدرته على تحويل المطالب إلى سياسات وقرارات ومشاريع، أو على الأقل على دفع المؤسسات المختصة إلى تنفيذها ومتابعتها ومحاسبتها على التأخير.
وفي هذا السياق، تكتسب حالة دوار العسكر القديم بمقاطعة المنارة دلالة خاصة، باعتبارها نموذجا مصغرا للعلاقة المركبة بين الناخب والمنتخب، وبين الانتظارات الاجتماعية والخطاب السياسي، وبين الوعود الانتخابية والقدرة المؤسساتية على تنفيذها.
لا يتعلق الأمر هنا بالحكم المسبق على تجربة عبد الواحد الشفاقي، وإنما بإخضاع العلاقة السياسية القائمة بينه وبين سكان الدوار لمنطق المساءلة العمومية، باعتبارها أحد المرتكزات الأساسية للديمقراطية التمثيلية.
لقد شكل دوار العسكر القديم، وفق ما يصرح به سكانه وفعالياته المحلية، مجالاً حاضراً في الاستحقاقات الانتخابية السابقة، كما عرف زيارات ولقاءات للشفاقي مع السكان والجمعيات، ارتبط بعضها بوعود تخص تحسين وضعية الحي وتهيئته، ومن بينها التهيئة بالحجر اللاصق، غير أن القيمة السياسية لهذه الوعود لا تتحدد بمجرد صدورها وإنما بمدى انتقالها من المجال الخطابي إلى المجال التنفيذي.
وهنا تظهر إحدى أهم إشكالات السياسة المحلية في المغرب: متى يتحول الوعد الانتخابي إلى التزام سياسي قابل للمحاسبة؟
فالخطاب الانتخابي بطبيعته يقوم على استشراف المستقبل، بينما تقوم الديمقراطية التمثيلية على مبدأ المحاسبة عن الماضي، ومن ثم فإن كل وعد يقدمه المنتخب أثناء توليه المسؤولية يصبح بعد مرور الزمن قابلاً لإعادة التقييم في ضوء النتائج المتحققة، ولا يعني ذلك أن كل وعد انتخابي يشكل التزاما قانونيا بالمعنى التقني، لكنه يمثل من منظور الثقة السياسية جزءا من العقد الرمزي الذي يربط الناخب بالمنتخب.
ومن هذه الزاوية، فإن استمرار انتظار سكان دوار العسكر القديم لتهيئة سبق أن ارتبطت بها وعود سياسية يطرح سؤالاً حول الفجوة بين الخطاب السياسي والقدرة المؤسساتية على الإنجاز.
ولهذا من حق السكان أن يسألوا عن مصير الوعود المعلقة وعن أسباب عدم تحققها، وهذه الأسئلة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها عداءً للشفاقي، وإنما باعتبارها تعبيراً عن تطور في الثقافة السياسية المحلية: الانتقال من التصويت على أساس الانتماء أو القرب الشخصي إلى التصويت على أساس الأداء والحصيلة.
وهنا تحديداً تكمن أهمية حالة دوار العسكر القديم.
فإذا استطاع الشفاقي أن يقدم للسكان حصيلة موثقة، وأن يميز بين ما أنجزه شخصياً ، وأن يوضح ما تعثر وأسبابه، حينها يمكن الإنصات له.
أما إعادة إنتاج الوعود ذاتها دون تقديم تفسير لمآل الوعود السابقة، فإنها ستعمق موضوعياً المسافة بين الخطاب السياسي والانتظارات الاجتماعية.
فالسؤال الحقيقي ليس: هل سيصوت الدوار للشفاقي مرة أخرى؟
السؤال الأعمق هو: على أي أساس سيصوت؟















