منذ سنة 2009، دخلت عدد من دواوير وتجزيئات جماعة تسلطانت في مسلسل من مشاريع إعادة الهيكلة كان يفترض أن ينتهي بإتمام مختلف التجهيزات الأساسية، من طرق وشبكات للماء والتطهير السائل، إلى المرافق العمومية والمساحات المخصصة للرياضة والفضاءات الخضراء، بما يضمن إدماج هذه المناطق في النسيج العمراني وتوفير شروط عيش ملائمة للسكان.
غير أن مرور ما يقارب 17 سنة يكشف، بحسب المعطيات التي حصلت عليها الجريدة، أن عدداً من هذه المشاريع لم يصل إلى نهايته المنشودة، في وقت تم فيه تسجيل محاضر للتسليم المؤقت في فترات مختلفة، بينما ظلت بعض الأشغال والتجهيزات الأساسية غير مكتملة.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد فقط: لماذا تعثرت هذه المشاريع؟ وإنما أيضاً: كيف تم الوصول إلى مرحلة التسليم المؤقت في بعض الحالات بينما ظلت تجهيزات أساسية غير مكتملة؟ ومن سيتحمل اليوم كلفة استكمال ما كان يفترض أن ينجز منذ سنوات؟
ففي تجزئة الهنا، تشير المعطيات المتوفرة إلى أن التسليم المؤقت تم بتاريخ 27 أبريل 2009، خلال فترة كان فيها عبد العزيز درويش مسؤولاً عن قسم التعمير، في وقت ظلت فيه وضعية عدد من المرافق والتجهيزات العمومية تطرح تساؤلات حول مدى استكمال ما كان مبرمجاً ضمن مشروع إعادة الهيكلة.
وفي دوار الكواسم، يعود تاريخ التسليم المؤقت، وفق المعطيات نفسها، إلى 9 ماي 2013، مع وجود عدد من القطع الأرضية التي استثنيت من التجهيز، إلى جانب غياب مرافق عمومية كان يفترض أن تكون جزءاً من تصور إعادة الهيكلة.
أما تجزئة الوئام بالهبيشات، فقد تم التسليم المؤقت بتاريخ 4 شتنبر 2020 خلال فترة رشيد إنوى، بينما تشير المعطيات المتوفرة إلى استمرار عدد من الأشغال غير المكتملة، من بينها مقطع الطريق رقم 14 أمام المسجد، والمقطعان 11 و3 على مستوى القطع الأرضية من 1091 إلى 1118، إضافة إلى مقطع الطريق رقم 13 المحاذي للقطع 129 إلى 136، ومقطع الطريق رقم 10 بدوار الشواي.
وفي تجزئة كوكو امتداد، تشير المعطيات إلى تسليم مؤقت بتاريخ 10 أبريل 2022 شمل المقاطع 1 و4 و5 و8 و10 و12 و13 و14 و15 و16 و19، كما سجلت عملية أخرى بتاريخ 14 دجنبر 2021 بالنسبة إلى المقطعين 11 و18، ثم عملية تسليم مرتبطة بامتداد المقطع الثاني بتاريخ 30 دجنبر 2022.
غير أن الإشكال، بحسب المعطيات التي تتوفر عليها الجريدة، لا يرتبط فقط بتاريخ هذه التسليمات، بل بما بقي على أرض الواقع بعد تلك المحاضر، خصوصاً في بعض أجزاء رياض أوريكة وامتداد كوكو، حيث ظلت أشغال مرتبطة بالطرق وشبكات التطهير السائل والماء الصالح للشرب غير مكتملة إلى اليوم.
أما دوار السلطان، فتشير المعطيات إلى تسليم مؤقت لقسمين بتاريخي 14 دجنبر 2021 و28 يونيو 2022، خلال فترة رئاسة زينب شالة، وهو ما يطرح بدوره أسئلة حول وضعية الأشغال والتجهيزات عند توقيع تلك المحاضر، وما إذا كانت جميع الالتزامات التقنية قد نفذت فعلاً.
وفي المقابل، تم بتاريخ 22 غشت 2026 التسليم المؤقت لأربعة مقاطع من أصل سبعة بدوار سيدي موسى، وهي المقاطع 1 و3 و5 و6، خلال فترة الرئيس الحالي عبد القادر لحباب، وتشير المعطيات المتوفرة إلى اكتمال تجهيزاتها.
هذه المعطيات تفتح الباب أمام سؤال جوهري: كيف يمكن لمشاريع بدأت منذ أكثر من عقد ونصف أن تظل بعض تجهيزاتها عالقة، في الوقت الذي تمت فيه عمليات تسليم مؤقت في مراحل مختلفة؟
وهنا تبرز أهمية التمييز بين وجود محضر للتسليم المؤقت وبين اكتمال المشروع فعلياً. فالسؤال الذي ينتظر جواباً موثقاً هو: ماذا عاينت اللجان المختصة يوم التسليم؟ وما هي الأشغال التي كانت مكتملة؟ وما هي الأشغال التي كانت متبقية؟ وهل سجلت تحفظات واضحة؟ ومن كان ملزماً برفعها؟ وهل تم تتبع تنفيذ تلك الالتزامات بعد توقيع المحاضر؟
هذه الأسئلة تكتسب أهمية أكبر عندما يتعلق الأمر بالطرق وشبكات الماء والتطهير السائل، لأنها تمثل تجهيزات أساسية يفترض أن تشكل صلب مشاريع إعادة الهيكلة، وليس أشغالاً يمكن أن تبقى معلقة لسنوات طويلة.
لكن التداعيات لا تقف عند حدود الوضعية التقنية للمشاريع، إذ إن استمرار التأخر في استكمال عدد من التجهيزات قد يضع جماعة تسلطانت أمام فاتورة مالية ثقيلة خلال السنوات المقبلة.
فإذا كانت شركة العمران قد كانت طرفاً في عدد من مشاريع إعادة الهيكلة، ثم انسحبت من بعض المشاريع أو لم تستكمل بعض الالتزامات المرتبطة بها، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: من سيتكفل اليوم بإنجاز الأشغال المتبقية؟ وهل ستضطر الجماعة إلى تخصيص موارد من ميزانيتها لإنجاز تجهيزات كان يفترض أن تدخل ضمن المشروع الأصلي؟
وتزداد خطورة هذا السؤال عندما يتعلق الأمر بالمرافق العمومية والملاعب والفضاءات المخصصة لخدمة السكان.
فوفق المعطيات التي حصلت عليها الجريدة، اضطرت جماعة تسلطانت إلى اقتناء وعاء عقاري من أجل إنشاء ملاعب للقرب، بعد انسحاب شركة العمران وعدم استكمال مشروع إعادة الهيكلة المرتبط بالمنطقة منذ سنة 2009.
وهنا تبرز مفارقة مالية تستوجب التدقيق: إذا كانت مشاريع إعادة الهيكلة الأصلية تتضمن تخصيص عقارات للمرافق العمومية والمرافق الرياضية، فلماذا وجدت الجماعة نفسها مضطرة إلى اقتناء عقار جديد من ميزانيتها لإنشاء ملاعب للقرب؟ وهل كان بالإمكان تفادي هذه النفقة لو تم استكمال المشروع الأصلي في آجاله؟
وكم ستكلف الجماعة مستقبلاً إعادة تأهيل الطرق واستكمال شبكات الماء والتطهير السائل وباقي التجهيزات التي لم تنجز؟ وهل توجد اتفاقيات أو محاضر أو التزامات تحدد بوضوح الجهة التي تتحمل هذه النفقات؟
الأمر نفسه ينسحب على العقارات التي خصصت ضمن مشاريع إعادة الهيكلة للمرافق العمومية والمساحات الخضراء والملاعب. فمصير هذه العقارات يحتاج بدوره إلى كشف دقيق: أين توجد؟ هل ما تزال محتفظة بتخصيصها؟ وهل تم الحفاظ عليها فعلاً كمجالات مخصصة لخدمة السكان؟
فالعقار المخصص لمرفق عمومي ليس مجرد قطعة أرض عادية، وأي تغيير في وضعيته أو تخصيصه يستدعي الرجوع إلى الوثائق والتصاميم والقرارات التي تؤطره.
ومن هنا، فإن فتح هذا الملف لا ينبغي أن يتحول إلى تبادل للاتهامات، وإنما إلى مساءلة مؤسساتية تستند إلى الوثائق.
فإذا أظهرت محاضر التسليم المؤقت أن بعض الأشغال الأساسية لم تكن مكتملة عند توقيعها، فإن السؤال حول المسؤولية يصبح مشروعاً، ليس فقط تجاه الجهة المنفذة، وإنما تجاه كل من كان له دور في المعاينة والمراقبة والتتبع والقبول والتوقيع، كل حسب اختصاصاته والمسؤوليات التي كانت موكولة إليه في حينه.
من وقّع محضر التسليم؟ ماذا كان قد أُنجز فعلياً لحظة التوقيع؟ ما هي التحفظات التي سجلت؟ من كان ملزماً باستكمال الأشغال؟ وهل تمت متابعة تنفيذ تلك الالتزامات؟
ثم السؤال الأهم: إذا كانت الجماعة ستتحمل اليوم كلفة استكمال تجهيزات تعود إلى مشاريع انطلقت منذ 2009، فمن يتحمل مسؤولية هذه الكلفة؟
فمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لا ينبغي أن يظل مجرد شعار، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشاريع تمس المال العام وحقوق السكان. وإذا ثبت من خلال الوثائق الرسمية وجود إخلال بالالتزامات أو تقصير في التتبع أو قبول لأشغال غير مكتملة، فإن تحديد المسؤوليات يصبح أمراً ضرورياً، وفق ما يحدده القانون والاختصاص لكل طرف.
وتزداد الحاجة إلى هذا التدقيق في ظل استمرار ملف إعادة الهيكلة بتسلطانت إلى حدود سنة 2026، حيث عادت مشاريع عدد من الدواوير، من بينها الهنا والكواسم والهبيشات ودوار السلطان وكوكو وسيدي موسى وغيرها، إلى طاولة الاجتماعات الرسمية بهدف تتبع الأشغال المتبقية وتسريع استكمالها.
وبذلك، فإن السؤال لم يعد فقط لماذا تأخرت مشاريع إعادة الهيكلة كل هذه السنوات، وإنما كم ستكلف سنوات التأخر هذه الجماعة؟ ومن سيدفع ثمن تجهيزات كان يفترض أن تكون موجودة منذ سنوات؟
إن الإجابة لا يمكن أن تكون بالتقديرات أو التصريحات، وإنما بالكشف عن محاضر التسليم المؤقت، ومحاضر التسليم النهائي، والاتفاقيات، ودفاتر التحملات، ومحاضر اللجان التقنية، والتصاميم المعتمدة، ووضعية العقارات المخصصة للمرافق العمومية، وكلفة العقار الذي اقتنته الجماعة لإنشاء ملاعب القرب.
فبعد 17 سنة من انطلاق مشاريع إعادة الهيكلة، يبدو أن الملف لم يعد مجرد ورش متعثر، بل أصبح ملفاً مالياً وتدبيرياً يستحق فتحه بكل الوثائق، لمعرفة أين انتهت التزامات المشاريع القديمة، وأين تبدأ فاتورة الجماعة الجديدة، ومن يتحمل مسؤولية انتقال تلك الفاتورة إلى المال العام.















