في قلب مستشفى محمد السادس الجامعي بمراكش، مشهد يتكرر كل يوم وكأن الزمن متوقف عند لحظة واحدة: اكتظاظ خانق، وجوه مرهقة، صراخ يتقاطع مع أنين، وانتظار يطول في ممرات ضيقة. مصلحة المستعجلات تعيش على وقع فوضى مزمنة، وسط عجز واضح للمنظومة الصحية عن الاستجابة لأبسط حقوق المرضى في الاستقبال والرعاية.

ما يزيد الوضع تفاقما هو تولي حراس الأمن الخاص – أو ما يُعرف محليا بـ”السيكوريتي” – مهمة تقييم الحالات الطبية، في غياب كلي للأطر الطبية المختصة في اللحظة الحرجة. هؤلاء الحراس، الذين لا يملكون أي تكوين طبي، أصبحوا دون وجه حق من يقرر من يستحق الدخول أولاً، ومن عليه الانتظار، حتى وإن كان مصيره معلّقاً بخيط.

يقول أحد المرتفقين بنبرة غاضبة: “اللي يقرر واش الحالة مستعجلة ولا لا، ماشي طبيب، ولكن السيكيريتي.. واش معقول؟!” وهي شهادة تختصر واقعاً مؤلماً يعيشه المواطن في صمت أو احتجاج، حسب القدرة على التحمل.

المشكلة ليست في الحراس أنفسهم، فهم في نهاية المطاف يؤدون مهاماً خارج اختصاصهم، دون تدريب ولا سند قانوني واضح، بل إنهم يتحولون يومياً إلى دروع بشرية في مواجهة غضب المواطنين، ويدفعون ثمن تقصير منظومة بأكملها، من تدبير الموارد البشرية إلى غياب التخطيط الاستراتيجي.

الخصاص في الأطر الطبية بلغ مستويات مثيرة للقلق، فالمغرب لا يتوفر سوى على 29 طبيباً متخصصاً في طب المستعجلات، رغم مرور أكثر من عقدين على إحداث هذا التخصص. معظم المراكز تُدار من طرف أطباء داخليين أو غير مؤهلين بشكل كامل، في حين ترتفع أعداد الوافدين على أقسام المستعجلات بشكل يومي، دون أن يقابلها أي توسيع أو تجهيز كافٍ للبنيات التحتية.
هكذا يتحول المريض في مراكش من طالب علاج إلى متهم يتوسل الدخول، ويصبح “السيكوريتي” قاضيا في محكمة الحياة والموت، لا يملك فيها لا الأدوات ولا الصلاحيات.
في انتظار إصلاح فعلي للمنظومة، تبقى المستعجلات عنواناً صارخا لفشل السياسات الصحية، وشاهداً على تردي خدمات كان يفترض أن تكون في مقدمة الحقوق الإنسانية الأساسية.
فهل ننتظر فاجعة جديدة كي تتحرك الجهات المعنية؟ أم أن أرواح المواطنين لم تعد تستحق أكثر من “تقدير أمني” عند باب المستشفى؟















