بعد مرور نحو شهرين على تعيينه رسميًا من قبل وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، دخل عبد اللطيف شوقي مرحلة التنزيل الفعلي لمهامه كمدير جهوي جديد للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة مراكش-آسفي، خلفًا لمحمد بلقرشي، المدير السابق بالنيابة، الذي شغل هذا المنصب لما يقارب تسع سنوات، وهي فترة وُصفت من قِبل العديد من المتتبعين والفاعلين النقابيين والحقوقيين بأنها اتسمت بتراجع ملحوظ في أداء الإدارة الجهوية، وببروز مظاهر تضارب المصالح واحتكار القرار داخل دائرة ضيقة من المحسوبين على الإدارة السابقة.
المدير الجديد استهل مهامه بثلاث زيارات ميدانية إلى المديريات الإقليمية بكل من الحوز واليوسفية والرحامنة، وهي خطوات قرئت كإشارة رمزية لبداية نهج جديد في التفاعل مع محيط الأكاديمية، بعيدًا عن مركز الجهة، مدينة مراكش، التي لا تزال تنتظر زيارة تفقدية قد تحمل رسائل أقوى. في المقابل، اختار شوقي التركيز مبدئيًا على عقد اجتماعات مكثفة داخل مقر الأكاديمية، ضمت رؤساء الأقسام والمصالح الجهوية، بالإضافة إلى لقاء تنسيقي مع المديرين الإقليميين، خُصص لمناقشة التحديات الكبرى التي تواجه المنظومة التربوية بالجهة، وعلى رأسها إشكالية الخصاص في الموارد البشرية، وضعف النجاعة الإدارية، وتدني منسوب التواصل المؤسساتي مع الفرقاء الاجتماعيين.
مصادر مطلعة أفادت بأن هذه الاجتماعات كشفت عن رغبة حقيقية لدى المسؤول الجديد في القطع مع ممارسات المرحلة السابقة، وفتح صفحة جديدة قوامها الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وقد عبّر عدد من الأطر الإدارية، من ذوي التجربة الطويلة داخل الأكاديمية، عن أملهم في أن يشكّل هذا التغيير الإداري فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وتصحيح الاختلالات المتراكمة، خاصة تلك المرتبطة بتعيينات تمت في ظروف غامضة خلال السنوات الأخيرة، همّت مناصب حساسة أُسندت إلى أسماء وُصفت بأنها مقربة من المدير السابق، دون الاعتماد على معايير واضحة للكفاءة والاستحقاق.
وتشير نفس المصادر إلى أن عددا من هذه التعيينات شابها غياب السند القانوني، خصوصا في ما يتعلق بتدبير قطاع التعليم الأولي، الذي يشكل ورشا استراتيجيا يحظى بعناية ملكية خاصة، ما يجعل أي ارتباك في تدبيره أو تغليب الولاءات فيه مسألة تثير كثيراً من التساؤلات والقلق. كما تم تسجيل خروقات أخرى مرتبطة بمنح صلاحيات واسعة لبعض الموظفين دون تأطير إداري واضح، وهو ما ساهم في تعميق الإحساس بالغبن داخل أوساط عدد من الأطر، وفتح الباب أمام تصاعد الاحتجاجات النقابية التي طالبت مرارًا بإرساء قواعد الحكامة الجيدة والعدالة الإدارية.
الاجتماعات التي ترأسها شوقي أظهرت اهتماما خاصا بملف الموارد البشرية، باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية داخل الأكاديمية، حيث شهدت الفترة الماضية احتقانًا واسعًا، نتيجة ما وصفته النقابات التعليمية بالتدبير الارتجالي، وعدم احترام مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص.
وقد تسببت هذه الاختلالات في تفاقم الإشكالات داخل المؤسسات التعليمية، سواء من حيث توزيع الأطر أو ضعف التأطير والمواكبة، في سياق تتزايد فيه التحديات الميدانية والانتظارات المجتمعية من المدرسة العمومية.
أمام هذا الواقع، يبرز سؤال محوري يشغل بال الفاعلين التربويين والمهتمين بالشأن التعليمي بالجهة: هل سيتمكن عبد اللطيف شوقي من اتخاذ قرارات جريئة لإعادة الاعتبار للمرفق التربوي الجهوي، وفتح مسارات جديدة للإصلاح الحقيقي؟ أم أن مقاومة التغيير من داخل الإدارة، بفعل تغوّل شبكات المصالح، ستجعل مهمته بالغة التعقيد؟ الرهان اليوم يتجاوز مجرد تدوير الأسماء والمهام، ليصل إلى ضرورة إحداث قطيعة فعلية مع منطق الترضيات والولاءات، وبناء نموذج تدبيري جديد يعيد الثقة في الإدارة التربوية، ويربط المسؤولية بالمحاسبة على أرض الواقع، لا فقط في الخطاب.
المرحلة المقبلة ستشكّل اختبارًا حقيقيًا للنوايا المعلنة، وقدرة الإدارة الجديدة على فرض منطق الإصلاح، لا سيما في ظل ارتفاع سقف الانتظارات، وتعقّد الملفات المطروحة. وحدها الأفعال على الأرض كفيلة بإقناع الرأي العام التربوي بأن الأكاديمية تدخل فعلًا عهداً جديداً، عنوانه الشفافية والكفاءة وخدمة المدرسة العمومية بعيدًا عن الحسابات الضيقة.















