نجيب الكركوح
مع بداية فصل الصيف، تعيش مدينة مراكش، الوجهة السياحية العالمية بامتياز، على وقع استفحال ظاهرة انتشار المرضى النفسيين والمختلين العقليين في الشوارع والأماكن العمومية، في مشهد يتناقض تماماً مع الصورة التي تسعى المدينة لتكريسها وهي تستعد لاحتضان تظاهرات رياضية كبرى ومؤتمرات دولية وازنة خلال الأشهر المقبلة.
ورغم المجهودات التي تبذلها بعض المصالح، وعلى رأسها السلطات المحلية والأمنية، من خلال التدخل لاحتواء عدد من الحالات التي تهدد السلامة العامة، إلا أن هذه التدخلات تصطدم بإشكال أكبر وأكثر خطورة، يتمثل في سياسة مستشفى الأمراض النفسية والعقلية، الذي يقوم ـ وفق شهادات متطابقة ـ بتسريح عدد من المرضى المختلين في ظروف غامضة ودون إخضاعهم لمتابعة أو مرافقة طبية أو أسرية.
وهو ما يؤكده حادث فرار أحد المرضى النفسيين المحكومين بالسجن من مستشفى ابن زهر قبل أسابيع، في واقعة تسائل بشكل مباشر إدارة المستشفى والمندوبية الإقليمية للصحة، خاصة أن الأمر يتعلق بمريض يشكل خطرا على نفسه وعلى الآخرين. وقد أعاد هذا الحادث تسليط الضوء على غياب شروط الحراسة والمراقبة داخل المرفق الصحي، وطرح علامات استفهام حول المعايير التي يتم اعتمادها في تسريح المرضى، حتى وإن كانت حالتهم لا تسمح بذلك.
وفي ظل استمرار هذا الوضع، تظل “سيارة النجدة النفسية” التابعة لمندوبية الصحة غير كافية، خصوصاً وأنها تشتغل وفق التوقيت الإداري فقط، دون أي مداومة ليلية أو عطلات نهاية الأسبوع، في وقتٍ تحتاج فيه المدينة لتدخلات طارئة على مدار الساعة، خصوصاً أن أغلب الحالات تظهر خارج أوقات الدوام.
ويحذر عدد من المهتمين بالشأن المحلي من أن استمرار تسريح المرضى العقليين دون احتضان مؤسساتي، وتحميل العبء كاملاً للشارع، يهدد أمن وسلامة المواطنين، ويؤثر بشكل مباشر على صورة المدينة أمام زوارها، خصوصاً وأن بعض هؤلاء المرضى يتصرفون بشكل عدواني أو غير متزن، ما يزرع الخوف والفوضى في الفضاءات العامة.
وفي هذا السياق، يدعو فاعلون جمعويون ومهنيون إلى وضع خطة استباقية وشاملة، تتكامل فيها أدوار وزارة الصحة، السلطات الأمنية، النيابة العامة، والجماعات المحلية، من خلال:
_ إحداث وحدات متنقلة مخصصة للتدخل السريع في الحالات النفسية.
_ فرض رقابة صارمة على تسريح المرضى من المستشفيات العقلية.
_ تعزيز الموارد البشرية واللوجستيكية للمستشفى الجهوي المتخصص.
_ضمان مداومة ليلية لسيارة النجدة النفسية، خاصة خلال العطل ونهاية الأسبوع.
_ إحداث مركز إيواء مؤقت للمرضى الذين لا تتوفر لديهم أسر لمتابعتهم.
فمراكش، باعتبارها مدينة تنبض بالحياة وتراهن على صورتها كوجهة عالمية، لا يمكنها أن تواصل تجاهل هذا الملف، الذي بات يشكل تهديدا صحيا، اجتماعيا، وأمنيا في آن واحد.
وإذا كان الصيف في باقي المدن يُعدّ موسما سياحيا بامتياز، فإن صيف مراكش مهدد بأن يتحول إلى موسم للقلق المفتوح على مشاهد مختلين دون متابعة، ومؤسسات عاجزة عن تقديم العلاج أو حتى الحماية.















