يحكى أن جماعة من البدو الرحل في قديم الزمان كانوا يعبرون أحد الوديان، وحين اشتد عليهم التعب نصبوا خيامهم بالقرب من جبل شاهق، وبينما كانوا يستريحون ويتناولون طعامهم لاحظوا تساقط بعض الحجارة والرمال من أعلى الجبل، فدب الخوف في نفوسهم وظنوا أن أمرا عظيما على وشك الوقوع، ربما زلزال أو انهيار هائل، وقف الجميع مترقبين شاخصين بأبصارهم نحو الجبل الذي بدا وكأنه يعيش مخاضا استثنائيا، وبعد لحظات من الانتظار والترقب خرج فأر صغير من أحد الجحور وفر مسرعا نحو الجانب الآخر من الوادي، فضحك الحاضرون جميعا وقال شيخ كان بينهم متعجبا: تمخض الجبل فولد فأرا.
كلما اقترب موعد الاستحقاقات التشريعية، ارتفع منسوب الانتظارات بشأن نوعية النخب التي ستدفع بها الأحزاب السياسية إلى الواجهة، فالمغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، إذ يقف على أعتاب مرحلة مفصلية في تاريخه التنموي والسياسي، عنوانها الأوراش الكبرى، والتحولات المؤسساتية،وترسيخ الحكم الذاتي والاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، وما يرافق ذلك من إصلاحات سياسية وإدارية ودستورية محتملة تفرض وجود نخب سياسية في مستوى اللحظة.
غير أن ما يجري اليوم في عدد من الدوائر الانتخابية بعمالة مراكش يثير أكثر من علامة استفهام، فبعد أشهر طويلة من الحديث عن تجديد النخب وتخليق الحياة السياسية وربط المسؤولية بالكفاءة، جاءت بعض الأسماء المتداولة لنيل التزكيات البرلمانية وكأنها تؤكد أن الأحزاب لم تستوعب بعد حجم التحولات التي تعرفها البلاد، ولا طبيعة الانتظارات الجديدة للمواطنين خاصة منهم الشباب.
ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه الرأي العام المحلي المراكشي بروز شخصيات ذات كفاءة علمية أو تجربة تدبيرية أو رصيد نضالي وسياسي واضح، وجد نفسه أمام بروفايلات دون المستوى، حيث تفتقر في كثير من الحالات إلى الكاريزما السياسية، وإلى الحضور الميداني، بل وحتى إلى الحد الأدنى من الارتباط بالمجال الترابي الذي يفترض أن تمثله داخل المؤسسة التشريعية.
الاستثناء الأبرز يظل إلى حدود الساعة في دائرة المنارة التي تبدو وكأنها الوحيدة التي حافظت نسبيا على أسماء راكمت حضورا سياسيا وتنظيميا داخل المجال المحلي، فطارق حنيش المنسق الجهوي لحزب الأصالة والمعاصرة يمتلك مكانة سياسية وتنظيمية معروفة داخل الحزب ويعول عليه في الفترة المقبلة في إطار تشبيب قيادات البام، كما أن عبد الواحد الشفاقي رئيس منظمة المنتخبين التجمعيين بجهة مراكش أسفي راكم بدوره حضورا مؤسساتيا وتواصليا لافتا على المستويين المحلي والوطني، أما عبد الرزاق أحلوش فيظل من الأسماء التي استطاعت ترسيخ حضورها داخل المجال القروي للمنارة بما يجعله أحد أبرز المرشحين القادرين على ضمان تمثيلية قوية لحزب الاستقلال إذا ما تم تأكيد تزكيته.
ولا يتعلق الأمر هنا فقط بحظوظ هؤلاء المرشحين في الفوز بمقاعد برلمانية، وإنما بما يمكن أن يشكلوه مستقبلا من نخب سياسية قادرة على تحمل مسؤوليات أكبر، فمراكش بما تمثله من ثقل ديمغرافي واقتصادي وسياسي، تحتاج إلى مسارات سياسية تصاعدية تفرز قيادات وطنية ومحلية قوية، لذلك يبقى الأمل معقودا على أن تفرز هذه الأسماء مستقبلا مسؤولين في مواقع القرار.
أما في دائرة المدينة سيدي يوسف بن علي، فيبدو المشهد مختلفا تماما، فباستثناء الحضور السياسي الواضح للعمدة والوزيرة فاطمة الزهراء المنصوري التي ستدخل غمار المنافسة للدفاع عن حصيلتها السياسية، فمن غيرها يصعب الحديث عن أسماء وازنة قادرة على إقناع الناخبين أو تمثيل المدينة بالشكل المطلوب، والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض الأحزاب اختارت اللجوء إلى مرشحين قادمين من أقاليم أخرى وكأن مراكش بتاريخها السياسي والتاريخي وبكفاءاتها وأطرها ومنتخبيها أصبحت عاقرة عن إنتاج نخب سياسية.
إن الأمر يطرح سؤالا حقيقيا على قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار حول مدى انسجام هذه الاختيارات مع خطاب الدولة الرسمي الداعي إلى تخليق الحياة السياسية وتعزيز الثقة في المؤسسات التمثيلية، فكيف يمكن الحديث عن الوساطة السياسية في الوقت الذي يتم فيه استيراد مرشحين من خارج المجال الترابي الذي يسعون إلى تمثيله؟
الأمر لا يقف عند هذا الحد بل يمتد إلى بعض الترشيحات الأخرى التي تثير بدورها نقاشا سياسيا وأخلاقيا حول مفهوم الانتماء الحزبي نفسه، إذ يصعب إقناع المواطنين بجدية العمل السياسي عندما يصبح الانتقال بين الأحزاب أو الترشح بألوان سياسية أخرى والمرشح لازال يحمل لون الهيئة السياسية السابقة، حيث يصبح السياسي يحمل لونين سياسيين الأول محلي والثاني وطني وهذا ما يسمى بالعبث السياسي المستجد، فالممارسة الديمقراطية السليمة تقتضي وضوحا في الانتماء والهوية السياسية، لا مجرد البحث عن المظلة الانتخابية الأكثر ملاءمة للوصول إلى البرلمان.
أما دائرة جليز التي كانت إلى وقت قريب مرشحة لاحتضان منافسة قوية بأسماء وازنة، فإن تراجع الحديث عن تزكية النقيب محمد الصباري و تزكية فقط مولاي سليمان العمراني بحزب الحركة الشعبية جعلها تبدو وكأنها دائرة فاقدة للبوصلة السياسية، فدائرة بحجم جليز بما تمثله من ثقل اقتصادي وسياحي وإداري داخل مراكش كان من المفترض أن تشهد تنافسا بين نخب ذات وزن سياسي وفكري قادر على مواكبة التحولات الكبرى التي تعرفها المدينة، لا أن تتحول إلى فضاء لمرشحين دون كاريزما سياسية أو تاريخ سياسي نضالي أو رصيد علمي.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل هذه هي فعلا إجابة الأحزاب السياسية على الرسائل التي حملتها احتجاجات جيل جديد من المغاربة؟ وهل هذه هي الترجمة العملية لشعارات تخليق الحياة السياسية وتجديد النخب وربط المسؤولية بالكفاءة؟
إن الرهان اليوم لم يعد مجرد الفوز بمقعد برلماني إضافي أو الحفاظ على التوازنات الانتخابية التقليدية، فالرهان الحقيقي هو بناء طبقة سياسية بمستوى مدينة عالمية قادرة على مواكبة مغرب التحولات الكبرى. فالمملكة تدخل مرحلة دقيقة تتطلب برلمانيين يمتلكون القدرة على التشريع والمرافعة والتفاوض وتتبع السياسات العمومية، لا مجرد أشخاص يبحثون عن صفة نائب برلماني.
لقد أصبح من حق المواطن أن يتساءل: إذا كانت الأحزاب عاجزة عن إنتاج نخب قوية في مدينة بحجم مراكش، فبمن ستقود هذه الأحزاب النقاش العمومي حول الأوراش الكبرى التي تنتظر البلاد؟ وكيف ستواكب الإصلاحات المؤسساتية المقبلة؟ وكيف ستساهم في إنجاح الاستحقاقات الوطنية والدولية التي يراهن عليها المغرب خلال السنوات القادمة؟
إن ما يجري اليوم في بعض دوائر عمالة مراكش يعطي الانطباع بأن جزءا من الطبقة الحزبية لا يزال يفكر بعقلية تدبير الانتخابات، فبينما البلاد تحتاج إلى كفاءات لصناعة المستقبل تغرد الأحزاب خارج السرب، وبين منطق المقاعد ومنطق الدولة تبدو المسافة أكبر من أي وقت مضى، وهذا يحيلنا على السبب الحقيقي في تعزيز دور وزارة الداخلية لتقود برامج التنمية المندمجة للسنوات الثمانية القادمة.















