نجيب الݣرݣوح
في ظل التحولات التي تعرفها الإدارة المغربية، يبرز النقاش حول ضرورة إحداث نظام أساسي خاص بأعوان السلطة، باعتبارهم أحد المكونات الأساسية للعمل الإداري الترابي، بحكم حضورهم اليومي والمباشر وسط المواطنين، ومساهمتهم في نقل المعلومات وتتبع الأوضاع المحلية وتنفيذ عدد من المهام الميدانية.
ويطرح هذا المقترح، الذي يظل تصوراً افتراضياً للنقاش وليس قانوناً أو مرسوماً رسمياً، إمكانية إعادة تنظيم مهنة أعوان السلطة ضمن إطار قانوني واضح يحدد طبيعة مهامهم ومسؤولياتهم وحقوقهم وواجباتهم، ويمنحهم مساراً مهنياً أكثر وضوحاً.
ويقترح التصور إحداث «هيئة أعوان السلطة الترابية» تابعة لوزارة الداخلية، ذات طبيعة مدنية وإدارية، مع تحديد الصفة القانونية لكل عون، ومنحه قرار تعيين ورقماً إدارياً وبطاقة مهنية ومجالاً ترابياً محدداً ومسؤولاً إدارياً مباشراً، إلى جانب وصف وظيفي مكتوب.
كما يدعو المقترح إلى اعتماد مسار مهني تدريجي يسمح بالترقي بناءً على الأقدمية والكفاءة والاستحقاق والتكوين، مع إمكانية إقرار رتب مهنية متدرجة، بما يجعل وظيفة عون السلطة مساراً مهنياً منظماً بدل أن تظل مرتبطة أساساً بالعمل الميداني دون تصور واضح للتطور الوظيفي.
ومن بين أبرز محاور الإصلاح المقترح أيضاً، اعتماد التوظيف على أساس الاستحقاق وتكافؤ الفرص، وإخضاع المترشحين لتكوين أساسي قبل مباشرة العمل، يشمل القانون الإداري والتنظيم الترابي وأخلاقيات المهنة وحقوق المواطنين والتواصل وتحرير التقارير، إضافة إلى التكوين المستمر طوال المسار المهني.
ويشدد التصور على ضرورة تحديد اختصاصات أعوان السلطة بشكل دقيق، والتمييز بينها وبين مهام الشرطة والدرك والقضاء والجماعات الترابية والمصالح التقنية، باعتبار أن عون السلطة، وفق هذا التصور، موظف إداري ترابي وليس شرطياً أو دركياً.
كما يطرح المقترح إشكالية المسؤولية المهنية، من خلال ربطها بالاختصاصات الفعلية والوسائل القانونية المتاحة للعون، مع ضمان إجراء التحقيقات المهنية بشكل موضوعي، والتمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ الإداري والأوامر الصادرة عن المسؤولين والظروف المحيطة بالواقعة.
وفي الجانب الاجتماعي والمهني، يدعو التصور إلى توفير حماية قانونية للعون أثناء أداء مهامه المشروعة، وتحسين ظروف العمل، وتوفير وسائل الاتصال والتنقل والتجهيزات الضرورية، إلى جانب إقرار تعويض مهني يأخذ بعين الاعتبار طبيعة العمل الميداني وكثرة التنقل والعمل في ظروف أو مناطق صعبة.
كما يقترح تصنيف مناطق العمل إلى مناطق عادية وصعبة وشديدة الصعوبة، وفق معايير موضوعية، مع منح العاملين في المناطق ذات الظروف الاستثنائية امتيازات وتعويضات تتناسب مع طبيعة المهام.
ويشمل المقترح كذلك إحداث حركة انتقالية منظمة تتيح للعون تقديم طلب الانتقال وفق معايير محددة، من بينها الأقدمية والوضعية الاجتماعية والعائلية وصعوبة منطقة العمل وحاجيات الإدارة، إضافة إلى اعتماد نظام واضح للترقية والتقييم المهني السنوي.
وفي المقابل، يشدد التصور على ضرورة وجود نظام تأديبي عادل وشفاف يحدد المخالفات والعقوبات ويضمن حقوق الدفاع، إلى جانب تشديد محاربة الرشوة واستغلال النفوذ، وإخضاع المهنة لقواعد صارمة بشأن السر المهني وحماية المعطيات الشخصية.
ويحتل الحياد السياسي مكانة أساسية في المقترح، خصوصاً خلال الاستحقاقات الانتخابية، حيث يفترض أن يلتزم عون السلطة بالحياد وعدم استعمال صفته للتأثير على المواطنين أو توجيه اختياراتهم السياسية والانتخابية.
كما يقترح التصور اعتماد زي مهني مدني واضح يساعد المواطنين على التعرف على العون، دون أن يكون مشابهاً لزي الأجهزة الأمنية أو العسكرية، إلى جانب تسريع عملية رقمنة العمل الميداني وإحداث نظام مهني إلكتروني لتوثيق التقارير والمهام والمعاينات والوثائق، مع احترام قواعد حماية المعطيات.
ويخلص المقترح إلى أن إصلاح مهنة أعوان السلطة لا ينبغي أن يقتصر على الجانب المالي، وإنما يجب أن يقوم على بناء مهنة إدارية ترابية حديثة تستند إلى حقوق وواجبات ومسؤوليات محددة.
ويبقى الهدف الأساسي، وفق هذا التصور، هو تحقيق معادلة واضحة: لا مسؤولية دون اختصاص محدد، ولا اختصاص دون تكوين، ولا تكوين دون مسار مهني، ولا مسار مهني دون حقوق وضمانات، ولا حقوق دون محاسبة.
ويظل هذا الطرح مقترحاً للنقاش وتبادل الآراء حول مستقبل مهنة أعوان السلطة بالمغرب، ولا يمثل نصاً قانونياً أو مشروع مرسوم رسمي منشوراً.















