سماسرة الانتخابات يدعمون بنكيران في إسقاط الحكومة في أقرب الآجال

جامع الفنا بريس1 أكتوبر 2026
سماسرة الانتخابات يدعمون بنكيران في إسقاط الحكومة في أقرب الآجال

لم تمض سوى ساعات على إعلان نتائج الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، حتى انتقل عبد الإله بنكيران من الاحتفاء بعودة حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة البرلمانية، إلى فتح معركة سياسية مبكرة عنوانها إسقاط الحكومة المقبلة وإعادة الانتخابات. فالرجل الذي استعاد حزبه حضوره داخل المؤسسة التشريعية، بعد نكسة انتخابات 2021، لم يكتف بإعلان اصطفافه في المعارضة، بل ذهب أبعد من ذلك، واضعاً احتمال سقوط الحكومة والعودة إلى صناديق الاقتراع ضمن حساباته السياسية للمرحلة المقبلة.

في الظاهر، يتعلق الأمر بموقف حزبي واضح من حكومة مرتقب أن يقودها حزب الأصالة والمعاصرة، غير أن السياسة لا تتحرك دائماً من خلال الأحزاب والمؤسسات وحدها؛ فخلف كل موسم انتخابي تبرز فئة اعتادت أن تجعل من الانتخابات مجالاً للارتزاق وتحصيل المصالح، أكثر مما تراها مناسبة للتنافس حول البرامج والتصورات. إنهم من يُعرفون بـ«فراقشية الانتخابات»، أولئك السماسرة الذين يتنقلون بين المرشحين، ويقدمون أنفسهم باعتبارهم أصحاب نفوذ ومفاتيح انتخابية، يدّعون امتلاك القدرة على تعبئة الأصوات والتأثير في توجهات الناخبين، مقابل وعود ومصالح متبادلة.

هذه الفئة لا تبحث بالضرورة عن حزب يفوز أو برنامج ينتصر، بقدر ما تبحث عن انتخابات تستمر. فقيمتها في سوق المرشحين ترتفع كلما اشتدت المنافسة، وكلما احتاجت الحملات الانتخابية إلى وسطاء وشبكات غير رسمية، وكلما اقتنع المرشح بأن الطريق إلى الناخب يمر عبر أشخاص يدّعون امتلاك مفاتيح الأحياء والدواوير والجمعيات والعائلات. لذلك، فإن انتهاء الانتخابات وإعلان النتائج يعني، بالنسبة إلى كثير من هؤلاء، نهاية موسم مهني كامل، وتراجعاً في الطلب على خدماتهم.

من هذه الزاوية، يمكن فهم كيف قد يجد بعض سماسرة الانتخابات في دعوة بنكيران إلى إسقاط الحكومة وإعادة الاقتراع فرصة تخدم مصالحهم، حتى وإن لم تكن لهم أي علاقة تنظيمية بحزب العدالة والتنمية. فاستقرار الحكومة والأغلبية ينقل البلاد من أجواء الحملات الانتخابية إلى منطق المؤسسات والتدبير، بينما يؤدي سقوطها والدخول في مسار انتخابي جديد إلى إعادة عقارب المنافسة إلى نقطة البداية: مرشحون يبحثون عن الدعم، وحملات تحتاج إلى الوسطاء، وأموال تتحرك، ووعود تعود إلى التداول، وأشخاص يعيدون تسويق أنفسهم باعتبارهم أصحاب تأثير انتخابي.

وهنا يبرز التقاطع بين السياسي والسمسار، رغم اختلاف الدوافع والحسابات. فبنكيران يتحرك، وفقاً للخطاب الذي يعلنه، بمنطق الصراع السياسي ورفض حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة، بينما ينظر الفراقشي إلى المسألة من زاوية المصلحة المباشرة، إذ لا يعنيه كثيراً من يتولى قيادة الحكومة بقدر ما تعنيه عودة الانتخابات. وقد يلتقي المساران عند نتيجة واحدة، دون أن يعني ذلك وجود تحالف أو تنسيق بين الطرفين.

غير أن مكمن الخطورة يبدأ عندما تتحول الرغبة في إعادة الانتخابات إلى مصلحة قائمة بذاتها، بعيداً عن أي مبررات دستورية أو قانونية أو سياسية موضوعية. فالانتخابات يفترض أن تكون آلية ديمقراطية لتجديد المؤسسات والتعبير عن إرادة الناخبين، لا دورة مفتوحة يستفيد منها الوسطاء كلما انتهى موسم وبدأ آخر. وإذا أصبح بعض الفاعلين ينتظرون تعثر الحكومة أو سقوطها لأن ذلك يعيد إليهم نشاطهم ومكانتهم في سوق المرشحين، فإننا نكون أمام ما يشبه اقتصاداً انتخابياً يتغذى على عدم الاستقرار.

وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين الطعن في نزاهة الانتخابات والمطالبة بإعادة تنظيم المنافسة الانتخابية. فإذا كانت هناك وقائع موثقة تتعلق بمخالفات انتخابية، فإن المؤسسات المختصة هي المعنية بالنظر فيها، وإذا ثبتت مخالفات مؤثرة، فإن القانون يحدد الآثار المترتبة عنها. أما أن تتحول إعادة الانتخابات إلى غاية في حد ذاتها، لأنها تمنح بعض الخاسرين فرصة ثانية أو تعيد الوسطاء إلى واجهة المشهد، فذلك من شأنه أن يحول العملية الديمقراطية إلى مباراة مفتوحة لا تنتهي كلما لم ترق نتائجها إلى بعض الأطراف.

وتكتسي هذه النقاشات أهمية أكبر بالنظر إلى الخريطة البرلمانية الجديدة، التي لا تمنح أي حزب أغلبية منفردة، ما يجعل تشكيل الحكومة رهيناً بالتحالفات والتوافقات السياسية. وفي ظل هذه المعطيات، ستكون المرحلة الأولى من عمر الحكومة المقبلة حاسمة في تثبيت تماسك أغلبيتها والانتقال إلى العمل المؤسساتي، أو فتح المجال أمام خلافات سياسية قد تتحول إلى أرضية دائمة للمعارضة والمناورة والضغط من أجل انتخابات جديدة.

بالنسبة إلى بنكيران، تبدو معالم المعركة واضحة: معارضة حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة، والعمل على جعل هذه المعارضة قوة سياسية قادرة على التأثير في مسار الحكومة وعمرها. أما بالنسبة إلى الفراقشية، فالحساب أكثر بساطة ومباشرة: كلما عادت صناديق الاقتراع إلى الواجهة، عادت معهم فرص استعادة مواقعهم داخل سوق المرشحين.

فهؤلاء لا يحتاجون إلى إعلان مواقف سياسية أو الانخراط في سجالات حزبية؛ يكفي أن يستأنفوا تحركاتهم بين المرشحين، وأن يعيدوا تسويق الوعود ذاتها، وإقناع هذا المرشح بامتلاك أصوات، وذاك بوجود عائلات قادرة على تغيير موازين المنافسة، وثالث بعلاقات ونفوذ انتخابي لا يستغني عنه أي طامح إلى مقعد برلماني. إنهم يتحركون في المنطقة الفاصلة بين السياسة والتجارة، وتظل قيمتهم مرتبطة باستمرار الحاجة إليهم، فيما تتراجع أدوارهم كلما انتهى الموسم الانتخابي واستقرت المؤسسات.

لذلك، فإن السؤال الذي تطرحه المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط بمدى قدرة بنكيران على الدفع نحو إسقاط الحكومة، بل يتجاوز ذلك إلى التساؤل عمن يمكن أن يستفيد من أي سقوط محتمل. فهناك معارضة لها حساباتها السياسية، وأحزاب لها طموحاتها، ومرشحون لم يحققوا النتائج التي كانوا ينتظرونها، فضلاً عن سماسرة انتخابيين يترقبون فرصة جديدة للعودة إلى الواجهة. وقد تلتقي مصالح هذه الأطراف عند لحظة سياسية واحدة، رغم تباين أهدافها واختلاف دوافعها.

ومع ذلك، فإن إسقاط الحكومة ليس أمراً آلياً، ولا يكفي أن تعلن المعارضة رغبتها في ذلك حتى يتحقق. فالأمر يظل مرتبطاً بتوازنات الأغلبية، ومدى تماسك مكوناتها، والمساطر الدستورية والسياسية المؤطرة لعمل المؤسسات. وبالتالي، فإن الحديث عن سقوط قريب للحكومة يظل، في الوقت الراهن، جزءاً من التجاذب السياسي المبكر، وليس حكماً مسبقاً على مستقبلها.

وما يبدو واضحاً هو أن بنكيران اختار فتح معركة سياسية مبكرة تتجاوز مجرد مراقبة أداء الحكومة المقبلة، لتصل إلى الضغط من أجل تغيير الخريطة السياسية التي أفرزتها الانتخابات. وإذا تزامنت هذه المعركة مع مصالح سماسرة الانتخابات، فإن هؤلاء سيكونون من بين المستفيدين من أي عودة محتملة إلى صناديق الاقتراع، باعتبار أن الانتخابات تشكل المجال الذي يستعيدون فيه أدوارهم ومواقعهم التي تتراجع بمجرد إعلان النتائج.

وهنا تكمن المفارقة: بنكيران يطرح إسقاط الحكومة من منطلقات سياسية وحزبية، بينما قد يتطلع الفراقشي إلى النتيجة نفسها بدافع اقتصادي ومصلحي، لأن الانتخابات بالنسبة إليه ليست مجرد محطة ديمقراطية، بل موسم رزق وفرصة لإعادة تسويق النفوذ المزعوم وتجارة الأصوات.

وبين هذين المنظورين، تظل الدولة ومؤسساتها والناخبون هم المعنيين الأساسيين بمآلات هذا المسار، إذ يفترض أن تكون إرادة الناخبين والقواعد الدستورية والقانونية المرجع في تدبير التغيير السياسي، لا حسابات الأحزاب وحدها ولا مصالح الوسطاء الانتخابيين.

لقد انتهى الموسم الانتخابي بالنسبة إلى المرشحين، لكن بالنسبة إلى فراقشي الانتخابات، قد لا تكون الحكاية قد انتهت بعد. فإذا تعثرت الحكومة في تثبيت أغلبيتها، أو دخلت في أزمة سياسية مبكرة، أو أصبحت إعادة الاقتراع احتمالاً مطروحاً بجدية، فقد يعود هؤلاء إلى الواجهة، مستعدين لاستئناف الأدوار نفسها التي اعتادوا لعبها في كل استحقاق انتخابي.

ومن هنا، فإن معركة إسقاط الحكومة لا تختزل فقط في صراع سياسي بين بنكيران والحكومة المقبلة، بل تطرح أيضاً سؤالاً أعمق حول قدرة المشهد السياسي المغربي على الانتقال من منطق المواسم الانتخابية إلى منطق المؤسسات والاستقرار، بعيداً عن اقتصاد الوسطاء الذين لا تزدهر تجارتهم إلا كلما اقترب موعد صناديق الاقتراع.

فالحكومة تبحث عن تثبيت أغلبيتها وضمان استمراريتها، والمعارضة تسعى إلى ممارسة دورها والضغط على الأغلبية، أما الفراقشي فله حساباته الخاصة: كلما عادت الانتخابات إلى الأفق، عادت معه فرص استعادة موقعه في سوق المرشحين.

شارك المقال
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة