الحمامة تنادي مولاي حفيظ العلمي

جامع الفنا بريس4 أكتوبر 2026
الحمامة تنادي مولاي حفيظ العلمي

في السياسة لا تكون الهزات الانتخابية مجرد أرقام تسجل في جداول النتائج ولا تكون الخسارة مجرد انتقال من مقاعد الأغلبية إلى مقاعد المعارضة، حيث أحيانا تكون الانتخابات مرآة تكشف عمق التحولات التي أصابت الحزب من الداخل وتكشف في الوقت نفسه حاجته إلى مراجعة أدواته وخطابه وقياداته وعلاقته بالمجتمع ككل، ومن هنا يمكن قراءة المرحلة الجديدة التي يجد فيها حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه باعتبارها لحظة اختبار حقيقية، فهل يستطيع الحزب أن يحول الهزة الانتخابية إلى فرصة لإعادة البناء أم أن السقوط سيترك وراءه فراغا تنظيميا وسياسيا يصعب ترميمه؟

قد يتساءل البعض عن العنوان: الحمامة تنادي مولاي حفيظ العلمي فهو أكثر من مجرد عنوان سياسي، إنه استعارة تختصر حاجة حزب إلى استعادة جزء من ذاكرته السياسية والاقتصادية وإلى البحث عن شخصية تمتلك ما يكفي من الرصيد لدى النخبة السياسية و الشعب المغربي لإعادة ترتيب العلاقة بين الحزب ومحيطه الاقتصادي والاجتماعي وبين قيادته وقواعده وبين صورته السابقة وطموحه للمستقبل.

تتجلى أهمية استحضار مولاي الحفيظ العلمي في النقاش السياسي الراهن لأن أي حزب بعد أي هزة انتخابية لا يحتاج فقط إلى تغيير الوجوه وإنما يحتاج قبل كل شيء إلى استعادة الثقة والثقة السياسية لا تبنى بالخطابات وحدها وإنما تحتاج إلى شخصية أو مجموعة من الشخصيات تستطيع أن تربط بين التجربة والقدرة على كسب ثقة الآخرين من قواعد الحزب إلى الأعيان إلى المجتمع.

لقد كان مولاي حفيظ العلمي في مرحلة سابقة أحد الأسماء التي جسدت التداخل بين الرأسمال الاقتصادي والخبرة المؤسساتية والسياسية ولذلك فإن التفكير في استعادته يمكن أن يفهم باعتباره محاولة لإعادة إدخال عنصر من عناصر التوازن إلى داخل الحزب خصوصا إذا كان المطلوب ليس فقط خوض الانتخابات المقبلة وإنما إعادة بناء مشروع سياسي قابل للاستمرار.

فالمرحلة المقبلة ليست بالضرورة مرحلة بحث عن السلطة بأي ثمن، وقد تكون مرحلة المعارضة هي التي تمنح التجمع الوطني للأحرار فرصة لإعادة اكتشاف نفسه، فالأحزاب التي تعيش طويلا داخل السلطة قد تفقد شيئا من قدرتها على الإصغاء إلى المجتمع وقد تتحول مؤسساتها الداخلية تدريجيا من فضاءات لصناعة القرار إلى فضاءات لتدبير المواقع، وعندما تأتي الانتخابات لتضع الحزب أمام واقع جديد فإن المعارضة تصبح أحيانا مختبرا لإعادة بناء التنظيم واللغة السياسية والقيادات.

ومن هذه الزاوية فإن المعارضة ليست عقوبة انتخابية وإنما يمكن أن تكون مدرسة لإعادة التأهيل السياسي.

الحزب الذي يعرف كيف يعارض ويقدم البدائل ويراقب الحكومة ويصوغ مشاريع القوانين ويتواصل مع المواطنين خارج موسم الانتخابات يستطيع أن يعود إلى السلطة وهو أكثر نضجا، أما الحزب الذي يعتبر المعارضة مجرد مرحلة اضطرارية ينتظر نهايتها فقد يجد نفسه أسيرا لمنطق الانتظار لا لمنطق إعادة البناء.

وهنا تحديدا يمكن أن تكون عودة شخصيات ذات وزن مثل مولاي حفيظ العلمي ذات معنى يتجاوز الحضور الفردي، فالمطلوب ليس بالضرورة أن يعود شخص بعينه إلى موقع حزبي محدد وإنما أن يعود منطق الخبرة والكفاءة والانضباط المؤسساتي إلى قلب المشروع السياسي.

والأهم أن هذه المرحلة قد تتقاطع مع صعود شخصية أخرى تنتمي إلى المجال الاقتصادي هي المهدي التازي الرئيس الحالي للاتحاد العام لمقاولات المغرب.

فالمهدي التازي مساره المهني مر عبر مجموعة «ساهام» نفسها فقد التحق بها سنة 2005 مديرا للتطوير ثم أصبح مديرا عاما لإسعاف مونديال قبل أن يتولى لاحقا مسؤوليات في شركات التأمين التابعة للمجموعة ثم يصبح سنة 2014 رئيسا مديرا عاما لساهام للتأمين وبعد ذلك انتقل إلى بناء تجربته الخاصة وصولا إلى انتخابه سنة 2026 رئيسا للاتحاد العام لمقاولات المغرب بأغلبية بلغت 3773 صوتا من أصل 4123 صوتا معبرا عنها وهو ما يمنحه شرعية مهنية واسعة داخل المؤسسة التي يمثلها.

وهذه المعطيات تفرض قراءة أكثر عمقا من مجرد القول إن التازي تلميذ مولاي حفيظ العلمي، فالعلاقة المهنية بين الرجلين وفق المسار المعلن للتازي تعني أن هناك مدرسة مهنية مشتركة تشكلت داخل تجربة ساهام لكنها لا تعني بالضرورة تبعية سياسية أو تنظيمية، والأدق هو القول إن التازي ينتمي إلى جيل من الكفاءات التي تبلورت داخل بيئة مهنية ارتبطت بتجربة العلمي في بناء المقاولة وإدارتها وتوسيع مجالاتها.

وهنا تظهر إمكانية بناء تكامل ، فالعلمي يمثل خبرة التأسيس والتحول من المقاولة إلى المجال المؤسساتي والسياسي بينما يمثل التازي جيلا من الكفاءات التي انتقلت من الإدارة الاقتصادية إلى قيادة المؤسسة التمثيلية للمقاولات المغربية.

إنها ثنائية تستحق التأمل ليس باعتبارها تحالفا معلنا فهذا غير ثابت وإنما باعتبارها نموذجا لتقاطع الخبرة الاقتصادية مع المجال السياسي.

لكن الخطأ سيكون في اختزال المسألة في الأشخاص، فالأحزاب لا تنهض بالأسماء وحدها حيث الأسماء قد تفتح الأبواب لكنها لا تبني المؤسسات، وما يحتاجه حزب الأحرار بعد الهزة هو إعادة بناء منظومة كاملة من الثقة: ثقة القواعد في القيادة، وثقة المواطنين في الخطاب، وثقة الكفاءات في الحزب، وثقة المستثمرين في قدرته على فهم الاقتصاد، وثقة النخب المحلية في أن الحزب لا يتذكرها فقط عندما تقترب صناديق الاقتراع.

ومن هنا تبدأ المعركة الحقيقية.

إذا دخل التجمع الوطني للأحرار مرحلة المعارضة فإن السنوات الممتدة إلى الاستحقاقات الجهوية والجماعية المقبلة يجب ألا تُستهلك في الدفاع عن الماضي ولا في البحث عن شماعات لتفسير النتائج ولا في الصراعات الداخلية على المواقع، المطلوب هو تحويل هذه المرحلة إلى مرحلة إعادة تأسيس.

فانتخابات 2027 المحلية والجهوية ستكون مختلفة في طبيعتها عن الانتخابات التشريعية، إنها انتخابات القرب بامتياز فيها تختبر قدرة الحزب على بناء النخب المحلية واختيار المرشحين وإنتاج قيادات تمتلك الانغراس الاجتماعي وليس فقط القدرة على الظهور الانتخابي، وفيها ستظهر حقيقة التنظيم أكثر مما تظهر في الانتخابات التشريعية.

ولهذا فإن إعادة بناء الحزب يجب أن تبدأ من الآن: إعادة تنظيم الفروع، تجديد النخب، استقطاب الكفاءات، إعادة الاعتبار للعمل الميداني، بناء خطاب محلي، والقطع مع منطق المرشح الموسمي الذي يظهر قبيل الانتخابات ويختفي بعدها.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن تكون الحمامة أمام خيار تاريخي: إما أن تنظر إلى الهزة باعتبارها نهاية مرحلة، أو أن تعتبرها بداية مرحلة جديدة.

ونذكر مجددا أن الحزب الذي يريد استكمال مساره حتى من موقع المعارضة لا ينبغي أن يقيس قوته بعدد الوزراء أو المناصب التي فقدها، وإنما بقدرته على الاحتفاظ بجاذبيته السياسية وهو خارج السلطة، إذا استطاع أن يبقى حاضرا في المجتمع، منتجاً للأفكار، مؤطرا للشباب، قريبا من المقاولات، حاضرا في المدن والقرى، وقادرا على تقديم بدائل واقعية، فإن المعارضة يمكن أن تتحول إلى مرحلة استثمار سياسي طويل الأمد.

إن الحمامة تحتاج إلى أن تستعيد ثقة من ينظر إليها.

بقلم: le prof

شارك المقال
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة