في قرار قضائي يحمل دلالات مهمة بشأن علاقة الإدارة بالمواطن وحدود صلاحيات السلطات المحلية، قضت المحكمة الإدارية بوجدة بإلغاء قرار صادر عن أحد رجال السلطة المحلية، بعدما رفض تسليم مواطن شهادة إدارية تنفي الصبغة الجماعية عن عقاره، مشترطاً عليه الإدلاء بما يثبت الأصل التاريخي لتملكه للأرض.
وتعود فصول القضية إلى تقدم مواطن بطلب إلى القيادة المختصة للحصول على شهادة إدارية تفيد بأن العقار الذي يوجد بحوزته لا يدخل ضمن أراضي الجماعات السلالية، وذلك قصد استكمال الإجراءات القانونية المرتبطة بالتحفيظ العقاري وتسوية وضعيته القانونية.
غير أن طلبه اصطدم برفض القائد تسليم الوثيقة المطلوبة، بدعوى ضرورة الإدلاء بما يعرف بـ«مدخل التملك»، أي إثبات المصدر الذي آلت منه الأرض إلى صاحب الطلب، وهو الشرط الذي دفع المعني بالأمر إلى سلوك المسطرة القضائية والطعن في قرار الرفض أمام المحكمة الإدارية بوجدة.
القضاء يضع حداً للخلط بين تحديد طبيعة العقار وإثبات ملكيته
وفي تعليلها للحكم، اعتبرت المحكمة أن مطالبة المواطن بإثبات أصل تملكه للعقار للحصول على الشهادة الإدارية المطلوبة تشكل تكليفاً بما لا يفرضه القانون، بالنظر إلى أن الغاية من هذه الوثيقة هي تحديد الطبيعة القانونية للعقار، وليس إثبات ملكيته أو البحث في تاريخ انتقاله بين المالكين.
وأكدت المحكمة أن دور السلطة المحلية في هذا الإطار يظل محصوراً في تقديم المعطيات الإدارية المرتبطة بوضعية العقار، والتحقق مما إذا كان يدخل ضمن الأملاك الجماعية أو المخزنية أو الحبسية أو غيرها من الأصناف التي تخضع لأنظمة قانونية خاصة، دون أن يمتد ذلك إلى الحسم في أصل الملكية الخاصة أو إثبات الحقوق العينية.
ويبرز هذا التمييز أن الشهادة الإدارية النافية للصبغة الجماعية لا تعتبر وثيقة لإثبات الملكية، ولا تقوم مقام الرسوم والعقود والوثائق المعتمدة قانوناً في إثبات الحقوق العقارية، وإنما تقتصر وظيفتها على تحديد طبيعة العقار من الناحية الإدارية والقانونية.
رسالة قضائية بشأن حدود السلطة التقديرية للإدارة
ويعيد هذا الحكم إلى الواجهة إشكالية بعض الممارسات الإدارية التي قد تفرض على المواطنين شروطاً إضافية لا تجد سندها في النصوص القانونية، خصوصاً خلال المساطر المرتبطة بالتحفيظ الجماعي وتسوية الوضعيات العقارية.
كما يشكل القرار تذكيراً بأن السلطة التقديرية للإدارة ليست سلطة مطلقة، وأن كل قرار إداري يظل خاضعاً لرقابة القضاء من حيث المشروعية واحترام الاختصاصات، بما يضمن عدم تحويل المساطر الإدارية إلى عوائق أمام مصالح المواطنين.
وبموجب الحكم عدد 325، الصادر بتاريخ 21 أكتوبر 2026، قضت المحكمة الإدارية بوجدة بإلغاء قرار القائد موضوع الطعن، في حكم يعزز مبدأ خضوع الإدارة للقانون، ويؤكد أن تسليم الوثائق الإدارية يجب أن يتم وفق الضوابط القانونية، بعيداً عن فرض شروط لا يوجبها القانون.















